آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 12:50 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في معنى فتح التحقيق مجددا في اغتيال عرفات

يوسف مكي * صحيفة الوطن السعودية

ظاهرة اغتيال القادة الفلسطينيين من قبل الموساد الإسرائيلي، بالسم، ليست غريبة، وتكررت عدة مرات. لكن الأبرز بينها اغتيال وديع حداد، مهندس اختطاف الطائرات المدنية الإسرائيلية، التي نفذتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في نهاية الستينيات. وأيضا محاولة اغتيال خالد مشعل، مسؤول حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بعمان، والتي كادت تودي باتفاق وادي عربة، الموقع بين الأردن والكيان الصهيوني لولا استجابة الإسرائيليين لطلب الملك حسين، بتحديد نوعية السم الذي استخدم في محاولة اغتيال مشعل.

عرفات نفسه، تحدث عن أسباب مرضه، أثناء نقله بالطائرة للعلاج في رحلته الأخيرة، حيث ذكر تحديدا حادثة اغتيال خالد مشعل، موضحا بأسى أن النجدة التي حظي بها مشعل، من قبل ملك الأردن، لن تتكرر معه، حيث لا يوجد زعيم عربي يرتبط بعلاقة مع إسرائيل، على استعداد للتدخل من أجل نجدته.

اغتيال الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، يشير إلى وقوف الموساد خلفه، لأن الكيان الغاصب هو المستفيد الرئيس منه، ولأنه أثناء اغتياله كان سجينا في مقر الرئاسة برام الله بسبب رفضه التفريط بعروبة القدس، وحق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم فإن أصابع الاتهام ترجع اضطلاع الموساد بتنفيذ هذه العملية.

اللافت للنظر أن مسؤولين بالسلطة الفلسطينية، لا يستبعدون قيام فلسطينيين بتنفيذ عملية الاغتيال. فقد ذكر اللواء توفيق الطيراوي رئيس لجنة التحقيق في ملابسات وفاة عرفات، في مقابلة له مع فضائية فلسطين اليوم أن أيد فلسطينية ساهمت في التخلص من الرئيس عرفات.

إن تشكيل لجنة التحقيق في اغتيال عرفات، وإعادة موضوع الاغتيال إلى الواجهة، يطرحان السؤال عن سبب إهمال ملف موت عرفات، ولماذا تأجل حتى هذه اللحظة. كما يطرح أسئلة حول إقدام مستشفى بيرسي العسكري، الذي عولج فيه الرئيس الراحل، على إتلاف جميع الأدلة البيولوجية والفحوصات التي أجريت له واعتبار موضوع الوفاة منتهيا، وموافقة السلطة الفلسطينية على ذلك. هل إعادة فتح الملف مرتبط فقط بالتحقيق الذي أجرته قناة الجزيرة القطرية، حول موضوع الاغتيال، أم أن ذلك يلبي رغبة لدى قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله، التي فشلت في إقناع الإسرائيليين، بالالتزام بالحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية.

بات بحكم المؤكد أن عرفات مات مسموما، حيث أكد التحقيق الاستقصائي لخبراء سويسريين وجود بقايا من مادة البولونيوم المشعة على ملابس ومقتنيات تعود للزعيم الفلسطيني الراحل. وكذلك التحقيق الذي نشرته الميادين، والذي اعترف فيه أحد عملاء الموساد بمشاركته وطباخين يعملون بالمطبخ الذي يعد الأكل لعرفات، في وضع السم في وجبات الأكل التي يتناولها أبو عمّار.

يبدو أن كثيرا من الأطراف الفلسطينية، لم ترغب بالتحقيق في حادثة الاغتيال في حينه، لأنها تصورت أن اختفاء عرفات عن المسرح السياسي، ربما يسهم في التسريع بعملية السلام، خاصة وأن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين كثرا، أفادوا أن عرفات يمثل عقبة كأداء في طريق تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل وأشار بعضهم إلى أن «أبو مازن»، أكثر واقعية وعقلانية، وأن تسلمه لرئاسة منظمة التحرير الفلسطينية سيعجل بالوصول إلى اتفاق سلام، مذكرين بدوره في التوصل إلى اتفاقية أوسلو المعروفة بـ غزة - أريحا.

ربما يوضح ذلك، أسباب تقاعس اللجنة الفلسطينية التي كلفت بالتحقيق في أسباب وفاة السيد عرفات. وليس من المعقول افتراض أن الوفاة طبيعية، خاصة وأن الإسرائيليين أشاروا لاحتمال إقدامهم على اغتيال عرفات، وذكر هو نفسه بذلك. وبعد الوفاة، أثير لغط حول أسباب الوفاة، ساعد على انتشاره التقارير الطبية الصادرة عن المستشفى الذي عولج فيه، والتي أوضحت تكسر كريات الدم الحمراء، كما أن الشكل الذي ظهر به عرفات أثناء نقله للمستشفى مشابه تماماً للذين تسمموا بعد حادثة «تشيرنوبيل» بالاتحاد السوفييتي. والتي جرى تصويرها تلفزيونياً وأذيعت عبر القنوات التلفزيونية العالمية. هذه الأسباب مجتمعة، كان من شأنها أن تكون دافعا للجنة الفلسطينية المكلفة بتقصي أسباب وفاة الرئيس الفلسطيني، لكن ذلك لم يحدث.

لقد كان بالإمكان إنقاذ عرفات لو تم التعرف، أثناء مرضه لنوعية المواد التي سمم بها، لكن ذلك لم تكف فيه القدرات العلمية المتوفرة، بل بحاجة إلى ضغط وموقف سياسي، وذلك ما لم يتوفر للرئيس عرفات في حينه. لقد تعرض عرفات لجريمة اغتيال صهيونية، وتواطؤ فلسطيني وعربي أسهم في نجاح عملية الاغتيال.

ما يهم في هذا الحديث هو معرفة الأسباب السياسية التي أدت إلى طرح الموضوع مجددا، وحماس السلطة الفلسطينية له، بعد أن أقفل الملف وطواه النسيان.

ما هو مؤكد أن عرفات وأبو مازن تحمسا للحل السلمي، بحسبان أنه سوف يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. ولم يضع هذا التصور في اعتباره طبيعة المشروع الصهيوني، وموازين القوة بين الفلسطينيين والصهاينة. وقفت قضية حق العودة وعروبة القدس حجر عثرة، في طريق عرفات، ولم يقبل بتجاوز هذين المطلبين. لكن قادة السلطة الفلسطينية خالفوا عرفات في موقفه، واعتقدوا أنهم بتجاوزهم لحق الفلسطينيين في العودة لديارهم، سيقنعون الإسرائيليين بتلبية مطلبهم في إقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة.

صدرت وثيقة كوبنهاجن التي وقعها مثقفون فلسطينيون وصهاينة، لتدعم السلطة الفلسطينية لما بعد عرفات في تجاوز حق العودة. كما بدأ تنظير داخل فتح بأن حق العودة، هو مطلب فردي، وليس مسؤولية فتح. وأن إسرائيل دولة مستقلة، لا يجوز التدخل في شؤونها الداخلية. بمعنى أن الفلسطينيين سوف يمارسون سلطتهم فقط بالضفة والقطاع، وليس من حقهم فرض أي شرط بشأن إسرائيل في حدودها التي قامت عليها منذ نكبة فلسطين عام 1947.

ومع ذلك، لم تتقدم إسرائيل بخطوة عملية نحو الإقرار بالدولة الفلسطينية المستقلة. وبعد فشل رئيس السلطة المتكرر في إقناعهم بذلك لجأ إلى مجلس الأمن ليواجه بالفيتو الأمريكي، ومن ثم توجه للجمعية العامة للأمم المتحدة دون جدوى. فهل يكون إعادة التحقيق في ملف عرفات ورقة ضغط أخيرة لدى أبو مازن، يقذف بها في وجه الإسرائيليين، على قلة فاعليتها. ذلك ما سوف يتكشف في القادم من الأيام.