آخر تحديث: 11 / 12 / 2019م - 1:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

لحظة انتصار!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

دعونا نُنحّي السياسة جانبا، هذه لحظة فاصلة في تاريخ الحضارة الإنسانية! لحظة لا تشبه بالضرورة سقوط النازية والفاشية وانهيار جدار برلين، لكنها لحظة مهمة؛ حين منعت «أقلية» متحمسة لقيم العدالة والحريّة والتآخي والمجتمع المفتوح، عودة الفاشية من جديد.

كنّا قد وصلنا فعلاً إلى لحظة القطيعة، «أقلية» من بينِنا ضرّجت الخريطة البشرية بالدماء، ارتكبتْ فظائعَ جعلتنا منبوذين في العالم. لن نلوم أي شعبٍ يوصدُ الأبوابَ في وجوهنا لأننا أصبحنا «مشبوهين» في أعينهم، نُصدِّر بضاعة مشحونة بالتعصب والتوحش والكراهية!. مرّة أخرى: «أقليّة» من بيننا اختطفتْ هويتَنا وصورتَنا وخطابَنا ودينَنا، ونجَحَتْ في أن تنشر باسمنا التوحّشَ والخوفَ في أنحاء العالم. لم نسلمْ منها نحنُ ولا بلداننا، لكنْ مَنْ يُمكنه في ذروة الخوف أن يتفرّس في الملامح أو يختبر الجينات لكي يفرز الصالح من الشرير؟!. الأغلب من الناس يلجأون للأحكام العامة، بل للأحكام العُرفيّة وقوانين الطوارئ حيث يختلط المذنب بالبريء.

لكن «أقليّة» أخرى في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا قالوا برفيع الصوت: «لا»...! ومنعوا أن تعود الفاشية من جديد ويتكون مجتمع عنصري.

هذه لحظة حاسمة، ومهمة، ليس لأنها تصدت لقوانين التمييز بين الناس على أساس ديني، بل لأنها منعتْ تعميم ثقافة الخوف والقطيعة، حتى وسط النيران المشتعلة بالكراهية والتعصب. هناك آلاف المبررات التي تجعل الناس - في الحد الأدنى - يرضخون للصمت، خاصة أنّ أحدًا من أولئك المحتجين لن يفقد عزيزًا ولن يخسر مالاً بسبب هذه الإجراءات، زِدْ على ذلك أننا ألفنا أن الإنسان لدينا لا يُعطي شيئا من رصيده المادي والمعنوي إلا لبني جلدته ودينه وطائفته وقبيلته وعائلته، لا أحد فيما نرى ونشاهد لديه الاستعداد أن يُسلّف من رصيده الإنساني أحدًا يختلف معه في الدين والمذهب، فضلاً عن أن يتخلى بكل أريحيّة وإيثار عن مكتسباته الحضارية ويتقاسمها مع المختلفين. خذ مثلاً الذين تخلوا طواعية وبإيثار عن مبنى للكنيسة في هولندا وآخر في باريس وغيرهما لصالح بناء مسجد، هؤلاء يغرفون من حسابهم لصالح منافسيهم والمختلفين معهم في الدين، لصالح آخرين أدمنوا - للأسف - الاستئثار والاستحواذ والهيمنة والاستملاك للمنافع العامة.

حين تعرّض مسجدٌ في «كيبيك» بكندا لهجوم إرهابي، قُتل على إثره ستة من المصلين، وقف الناس في اليوم التالي يشكلون سلسلة بشرية طوقت المسجد لتوفير الحماية للمسلمين هناك، لم يظهروا الشماتة وتصفية الحسابات وتعويم الجريمة، ولم يعقدوا محاكم التفتيش للضحايا، أو توجيه اللوم لهم ولثقافتهم وهويتهم، بسبب أفعال مسلمين آخرين في أماكن أخرى، لم ينبش أحد في كتب الضحايا ليبحث فيها عن مبرر يخفف عن الجاني جريمته، ولم يعقدوا مقارنات ومقاربات مشبوهة هدفها «تعويم» الإرهابي والتعمية على جريمته، أو القول لهم: تم قتلكم في المسجد بسبب هذا الرأي وذاك الاعتقاد. الجميع عرف أن أي تبريرٍ للإرهاب مُشاركة فيه، ويشكل سقوطًا مريعًا لأي مبدأ أخلاقي يؤمن به الإنسان.

نحنُ مَدينون لهذه المبادرات التي أعطتنا الأمل أن الإنسانية بخير، وأن قيم التسامح يمكن أن تنتصر، بل وتغلب إرادة القوة، وأن أقليّة نشطة مؤمنة بالعدالة والحريّة والمساواة والتآخي الإنساني يمكنها أن تصنع التغيير. نحن مَدينون أيضًا لهؤلاء الذين منحونا الثقة بقوة الحق أمام حق القوة، وبالطاقة الكامنة في مبادئ الشراكة والعدالة والتسامح.

سيواصلون «هنا أو هناك» حفر الخنادق وإقامة الجدران وتعميم ثقافة القطيعة بين الشعوب والحضارات... لكن إرادة التواصل ستهزمهم: «فَسَيَصْحُو الطُّهَاة يَوْمًا، وَقَدْ/ ذَابتْ بِنَارِ الأحقادِ حتى القُدُورُ».