آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 11:33 م  بتوقيت مكة المكرمة

الكولاج المُشَوَّه

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

تتقاسم مدارس الفنون الجميلة نشر العمل الفني وتأكيد نزعة الإنسان وارتباطه مع لغة الجمال مهما تعددت خاماته أو تداخلت ألوانه، فالعمل الفني هو رصيد ثقافي ينمو في السجل الحضاري للشعوب والبلدان إلى أن يُعدّ كتاباً توثيقياً لأسبقية حضارية ولريادة في محصلة النتاج الإنساني على مستوى الفنون البصرية التي تشهد قفزات نوعية؛ كبرهان على أنّ الإنسان هو المخلوق الذي أكرمه الله بقابليات ووسائل قادرة على التأمل في لغة الجمال والانتهال من أنهاره العذبة التي تشكّل أجنحة الوصول إلى أحد فضاءات هذا الجمال الذي يتشارك بين دلالاته ومظهرياته في إتاحة الفرصة الواسعة للجميع لتنمية الذائقة الذاتية والذائقة المشتركة وتغذية مواقع الإحساس الشعوري بكميّات جمالية لا تلبث أن تتحول إلى طاقة مشاعرية مرهفة ومتدفقة بالمعاني العميقة.

وأعمال الكولاج الفنية التي تعرف بصرياً بفن القص واللصق بدأت قديماً في الصين بُعَيد اختراع الورق ثم في اليابان حين بدأ الخطاطون يكتبون على قصاصات الورق المتراكبة بعض النصوص الشعرية. وحديثاً بدأ في أوروبا هذا الفن ضمن لغة التجريد، ومن رموز هذه المدرسة الفنان الشهير بيكاسو.

إن فناً هكذا قد يكون مستغرباً أن يكون محل قياس مع الفارق مع الترقيعات التي تقوم بها بعض فرق الصيانة من المقاولين المرتبطين مع الأمانات والبلديات بعقود في هذا المجال. لكنّ ما نراه من ترقيعات يقوم بها مقاول حفريات لمد خطوط طاقة في طريق شرياني كانت تكاليف إنشائه الحديث كبيرة، ولكن إما أن الأمطار ساهمت بكشف المستور عقب تسلُّم المشروع من الشركة التي سبق أن أرسي عليها المشروع أو ذاك، أو لأنّ مقاولي الشركات التي لا يمكث مشروع طريق مهم سالماً دون حفريات بداعي مد وتجديد شبكات مياه سبق أن ملأ الصدأ أنابيب وحنفيات من لا يزالون يستخدمون المياه المالحة إلى الدرجة التي لا تبقي حنفية سليمة من أكسيد الحديد الذي يحيل بياض الحنفيات الفضية إلى سواد.

ويتواصل المسلسل الطويل لهذه الشركات التي تفتك بالطرق من جهة مع الطامة الكبرى التي تنشأ بسبب مرور شاحنات تسير ليلاً ونهاراً لأجل هوامير العقار الذين قالوا ويقولون إنهم يطوّرون المخططات، لكن شاحنات الشركات التي تردم تلك المخططات سواء ما كانت بحراً جميلاً أو تلالاً رملية لافتة، تلك الشاحنات ومن ورائها آمال مبدعي التطوير المعماري يقومون بدور يفتك بالبنية التحتية في كثير من شبكات طرقنا، وهذا يضعنا أمام ألف علامة تعجب وتساؤل؛ لماذا لا يتم إلزام كل هذه الشركات التي تزيد حمولاتها عن المعدلات المسموحة من جهة، ومن جهة أخرى يتزايد معدل مرورها الزمني في فترات متقاربة ولا أحد يعلم لا عن حمولاتها التي حتماً تفوق الحد المسموح ولا عن معدلات مرورها على الطرق التي توصف بالشريانية لمدى أهميتها ودورها الحيوي في الحياة الحديثة في منطقة تأتي بحمد الله في حضورها الاقتصادي أولاً، مما يشير إلى حاجة البنى التحتية لدينا إلى نظام حماية ووقاية.

أما أن تكتظ الطرق بالترقيعات وبالحفر أو الهبوطات في غرف الصرف الصحي دون أن يكون هناك تنظيم هندسي وفني ذو جودة عالية تتناسب مع إمكانات بلادنا ومع هذه الحاجة التي تزايدت فيها المركبات بكل أنواعها.

إن لوحة الكولاج هي قطعة فنية من الجمال، ولا يبدو أن طريقاً سريعاً أو طريقاً شريانياً تأكله مرقعات الإسفلت سيكون جميلاً أبداً، وسؤالنا إلى أمانة المنطقة الشرقية حول هذه المشكلة المتكررة التي لا تتناسب مع المعدلات الطبيعية للطرق المنفذة بجودة ومتانة فنية عالية، لأنّ تكرر مظاهر الترقيعات صار مشهداً مألوفاً في طرقنا الرئيسة، فكيف بغيرها من الفرعيات؟!

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.