آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 8:50 م

ميثم ورجالُ الحُسْبةِ.. أقف لكم!

نجيب الزامل صحيفة الاقتصادية

.. بما أرى، فإن التنظيمَ العملي نوعٌ من الإيمان. أي أن تؤمنَ وبحماسةٍ بأن العملَ التنظيمي التطوعي سيقود في النهايةِ إلى نفع الناس، وهذا أرقى أنواع الإيمان الأرضي. فالإيمانُ الحقيقي ليس الذي يمنعك عن عمل الأشياء وينهاك عن القيام بها، بل هو مثل الزنبرك الذي يطلقكَ لآفاقٍ أعلى للعملِ والإنتاج في سبيل إسعادِ من حولك، ومن في مجتمعِك وأمّتك.. ومن على الأرض. إنه ذاك الإيمانُ العملي الذي يدرِّبكَ على تطويرِ نفسِكَ حتى أقصى شدّ الحبلِ الذاتي لتقودَ أجدى وجودٍ مثمرٍ. إنه الإيمان بأن ترى النورَ والصفاءَ في نوايا الناس وقلوبهم، وأن تفرضَ وجود الطيبة وحب الخير مسبقا في نفوس الناس ثم تبحث عنهما.. وستجدهما. فلولا إيمانُ العاملين بالمناجم ِأن في غياهبِ الأرضِ يتبارقُ الألماسُ لما غابوا في خنادق عميقةٍ ومظلمةٍ وخطرةٍ في عُمق ضميرِ الأرض. وعندما يعمّ هذا الإيمانُ، فهو السلامُ على الأرض. وأنا لن أتعب من قول أعطوا الدورَ للشباب، اجعلوهم يقودون قاطرة الأمة، وعليكم أنتم التوجيه، ومن خارج القطار أفضل. لن أتعبَ أن أقول إن الشبابَ طاقةُ وهمةُ وحماسةٌ ولم تلوثهم تراكمات التجارب، وبالتالي اتركوهم يصنعون تجاربهم وخبراتهم حتى لا تُفسِدُ هذه النفوسَ ما تشابك على الأرض من غصون أشجار الكرهِ المسبق، وتاريخ الأحقاد، والتمييز، ونسيان كون الإنسان في الأصل إنسانا.

الأصلُ في النفسِ الطهارةُ لا الكدَر، الأصلُ في النفس الضياءُ لا الظلام، الأصلُ في النفسِ المحبة لا الكره.. وكما يولد الإنسانُ على الفطرةِ ثم يتحكم فيه مجتمعُه، تبقى النفوسُ على فطرتِها النورانية حتى يتكفل المجتمعُ المحيط بإطفاء مفاتيح النور داخلها.. وأنا لن أتعب، ليس فضلا مني ولا صمودا، ولكني من المحظوظين لألتقي الشباب فإذا هم كل مرة يعيدون رسمَ الواقع أمامي.. وهو رسمٌ حيَويّ الألوان، دافقٌ بعطاءاتِ الحياة.. فأنتَشي، وأتزوَّدُ بطاقةٍ جديدةٍ من التفاؤل والسعادةِ والثقةِ.. والإيمان. علمني شابٌ من مدينة القطيف درسا من هذه الدروس، دروسُ النور، والمحبة، وافتراض وجودِ شعلة الخير داخل النفوس، وبالفعل، بحث عنها بنفسِهِ، ووجدها، وأنارتْ له تلك الشعلةُ السبيلَ الذي أراد أن يسلكه لمصلحة مدينته وأهلها. هذا الشابُ «ميثم آل خليف» بذاته كتلة من إضاءة الوسامة والخير، وله ابتسامة لا يمكنها أن تغيب من فمِهِ وكأنها خُلِقَتْ معه فتشكلتْ عليها عضلاتُ وأعصابُ الفم. وعينان ترى أن روحَه تشع من داخلهما.. وذكاءٌ وقّاد. كنت في نادي «الترجي» القطيفي..

وترجيتُ أشياءَ كثيرة، منها العمل مع كبار شخصيات القطيف لتأسيس «أبناء وبنات القطيف» كما صار في الخبر والدمام، ونأمل أن تلحقها المدن الأخرى قريبا.. فالشباب هم الذين يطلبون ذلك، ونفخر أنهم اختارونا لنلبِّي، ولما أعلنتُ في جريدة «اليوم» بزوغ أولاد وبنات القطيف، جاءتني رسائل كثيرة من مدن مختلفة بالمملكة للعمل على إنشاء المنظومة ذاتها، ليكونوا، وهذا روحُ عمل أبناءِ وبناتِ المدن، الدمّ السائرَ بين أعضاء المدينة لخدمتها، ومن يخدم الترابَ الذي يمشي فوقه ويعيش عليه يرتبط معه ارتباطاً عاطفياً وعضوياً لا ينفصم. بل إن الشابَ «ماجد بن تركي التركي» من جامعة الملك فيصل، يطلب مني العمل على إنشاء أبناء وبنات الأحساء، ويسبقنا بحلم أن تتكوّن شبكةً مترابطةً لخدمة كل المنطقة الشرقية، في سبيل طريقٍ عريضٍ لربطِ شبابِنا بكلّ مناطقنا لخدمة الوطن بأنفسهم فيتعلقون به، ويدفعون عنه كل ما يؤذيه.. قلتُ إني في «الترَجّي» ترجَّيْتُ، وظهورُ «ميثم» فاق كل الأماني والتطلعات والآمال الكبار.. ميثم له أسلوبٌ إلقائيٌ يحرّك مؤشراتِ الانتباه، ويحفِّزُ التأثيرَ العصبي والفكري، فأخذ بمجامع القلوب، وتكلمَ عن تجربتِه في لجنة «القطيف المحبة»، وأنظرْ جمالَ الاسم لسموِّ الهدف، والهدفُ هو بقاءُ مدينته القطيف طاهرة من تلوث الأخلاق وأشرطة الفساد التي تباع في سوقٍ معروف.. ويقول ميثم: «لقد كانت مهمة كأداء مع الجهل، والفقر والحاجة، وكانت محاولاتتا تصاب بالفشل فتوجهتُ لفعاليات القطيف العاملة، وإلى المنبر الحسيني كي يساعدوني في المهمة الأخلاقية التطهيرية..».

ولكن ميثم قام أيضاَ بعمل آخر.. أعطى فيه درساً لنا في محبة المدينة، وفي التفوق على معطيات الحاضر الخادعة، وفي الإيمان بأن الخيرَ بالناس، فذهب إلى هيئة الأمر بالمعروفِ ووالنهي عن المنكر ليساعدوه، ولم يتردّدوا، وساعدوه على الأرض، ويقول ميثم إن تعاملنا معاً كان مُنْجِزاً. لم يذهب ميثمُ لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لأن نفسَه الطيبة عرفت أن رجال الحسبة يقصدون الخير، ورجالٌ الحسبةِ رأوا أن العملَ سينتهي إلى نتيجةٍ خيِّرةٍ فهرعوا للعمل مع ميثم.. وكان الإنجاز. انظروا كيف نأخذ هذا مقطعاً لتلاحم الأمّة من أجل أمن وإسعاد الأمة. السرّ: النفسُ الطيبة تفرض الطيبة بالآخرين. لذا اتجهتُ بدوري للمجموعة الحاضرة، وقلت لهم: «طوبي لكم، فاختيار قائدٍ لمجموعة أولاد القطيف هو الأصعب، وها هو أمامكم حاضر قائدُكم المثالي: ميثم آل خليف». ولم يعارض أحد!