آخر تحديث: 3 / 12 / 2020م - 12:21 ص

مستقبل الأعضاء الصناعية

نذير حبلان الصفار

مقدمة:

بداية يجب ان نفرق بين بعض المفاهيم الضرورية لكي لا تلتبس على القارئ، يجب التفريق بين طرف صناعي كاليد والرجل وغيرها، وبين عضو مستقبل الأعضاء الصناعيةصناعي كالقلب والرئد والكبد، الاختلاف كبير بين الصنفين حيث يعتبر العضو جزء أساسي في حياة الإنسان وبدونه لا يستطيع الإنسان ان يعيش.

يوجد عند الإنسان عدة أعضاء لا يستطيع أن يعيش من دونها، مثل القلب والرئتان والكليتان والدماغ والكبد، وغيرها، وفي حالة ضعف أحد هذه الأعضاء فإن الإنسان يمرض وعند تعطله يموت، فكان هذا سببا كافياً للعلماء أن يبحثوا عن الحلول التي تساعد الإنسان على العيش حتى ولو فقد أحد هذه الأعضاء.

بدأ العلماء بعمليات نقل الأعضاء من شخص الى آخر، وقد تتعجب أخي القارئ أن أولى محاولات زراعة الأعضاء تمت قبل عصر التكنولوجيا، حيث تذكر بعض المصادر أن الطبيب الصيني بيان شياو قام بعملية تبادل بين قلبين في محاولة منه لنقل قلب قوي من رجل ضعيف الشخصية الى رجل آخر قوي الشخصية لكن قلبه ضعيف، طبعاً التجربة باءت بالفشل، وأول عملية موثقة لزراعة عضو أجريت في العام 1837م وهي زراعة قرنية لغزال، بينما أول عملية ناجحة لزراعة قرنية للإنسان كانت في العام 1905م في جمهورية التشيك على يد العالم إدوارد زيرم، ومع تقدم العلم والتقنية تطور معها تقنية زراعة الأعضاء خصوصا الأعضاء الداخلية والتي تشكل صعوبة في التعامل معها، ولكن ظهرت عدة معوقات أدت الى اتجاه بعض العلماء الى منحى آخر غير عمليات نقل الأعضاء، من هذه المعوقات عمليات الإتجار بالبشر الغير شرعية التي تتم في العالم الثالث وتقوم بها عصابات سرقة الأعضاء بسبب ارتفاع سعر العضو، فالكلية مثلا تكلف الشخص ما يعادل 100 ألف جنيه مصري على أقل تقدير، ووفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن التجارة الغير شرعية في تجارة الأعضاء تولد أرباحاً بين 600 مليون الى 1,2 مليار سنويا.

قلب صناعي:

مستقبل الأعضاء الصناعيةقد تكون أولى الأعضاء الصناعية التي تطورت بشكل متسارع نوعاً ما هو القلب الصناعي والذي طوره العالم دنتون كولي في معهد تكساس للقلب بالولايات المتحدة الأمريكية وذلك في العام 1969م، حيث تم وضعه في جسد المريض لفتر محددة الى أن يتم نقل القلب البيولوجي له في أقرب وقت ممكن، وتوالت التطورات في مجال القلوب الصناعية إلا أن مع تطورها ظهرت مشاكل مختلفة أهمها الجلطات التي تتكون داخل المضخة.

رئة صناعية:

مستقبل الأعضاء الصناعيةمن أهم المعوقات التي تظهر في صناعة العضو هي معرفة ماهية عمل العضو الطبيعي نفسه، مثلا القلب عبارة عن مضخة لحركة الدم وبالتالي عملية التصنيع «نظريا» تعتبر غير معقدة مقارنة بأعضاء أخرى كالرئة مثلاً، فالرئة الواحدة تحتوى الى مليون حويصلة هوائية يحدث فيها التبادل الغازي في الدم، فلك أن تتصور صعوبة تصنيع رئة!!

ومع ذلك فقد توصل العلماء الى صناعة رئة تحل محل الرئة البيولوجية باستخدام ألياف مجوفة تقوم بعملية التبادل الغازي، واستخدام قوة ضخ خاصة من أجل حركة الدم داخل الألياف، إلا أن المضخة المصاحبة لهذه الرئة ثبت أن لها أعراض جانبية تؤدي الى وفاة المريض في أغلب الأحيان، إلا ان الأطباء الألمان في جامعة ريجنزبورغ بقيادة الطبيب ميشيل رينج نجحو في تطوير رئة من دون مضخة، وتتألف هذه الرئة من أغشية في غاية الرقة تنفذ بينها الغازات وتستمد نفاذيتها من الضغط بين الشرايين والأوردة.

كلية صناعية:

أما بالنسبة للكلية فقد تم مؤخراً تصنيع كلية صناعية، وتم تجربتها في مستشفى ماساتشوستس الأمريكي على فئران التجارب والتي أنتجت البول بنسبة 23% لكنها انخفضت مع الوقت لتصل الى 5%، إلا أن العلماء يعتبرون ذلك بداية جيدة لمواصلة التطور في هذا المجال.

بنكرياس صناعي:

مستقبل الأعضاء الصناعيةوهذا العضو مرتبط بمرضى السكر لما يحويه من غدد لانجرهانز التي تقوم بإنتاج الأنسولين إلا أن تعطل هذا العضو يؤدي الى ارتفاع منسوب السكر في الدم، المشكلة في البنكرياس في أنه يفرز أنزيمات هاضمة مرتبطة بالجهاز الهضمي، علاوة على هرمون الجلوكاجون المرادف للأنسولين، لتصبح عملية زراعة البنكرياس مرتبطة بعدة إفرازات.

لذلك لجأ العلماء الى زرع جهاز خارجي يقوم بقياس نسبة السكر في الدم وضخ ما يحتاجه من الإنسولين.

ماذا عن الكبد؟.. قد يكون الكبد من أعقد الأعضاء لما يقوم به من مهام عديدة كالتخلص من السموم وتكسير الدهون وإفراز العصارة الصفراوية كذلك يقوم الكبد بتخزين السكر بعد تحويله لمادة أخرى، لذلك عند التفكير في صناعة كبد يجب الإلمام بكل المهام التي يقوم بها، يشير الدكتور هشام عبدالقادر استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد الى أن العلم تطور في هذا المجال تطوراً كبيراً خلال العقدين السابقين، حيث توصل العلماء الى جهاز يساعد الجسم على التخلص من السموم بشكل مؤقت لحين زراعة كبد بيولوجي، إلا أن الوصول الى البديل المؤقت تعتبر بداية موفقة لتطور هذا الجانب.

هل يمكن التعويل على الأعضاء الصناعية؟

المعوقات مازالت كبير، والطريق مازال طويل، ويمكن استشراف تطور هذا العلم من خلال ما توصل له العلماء من إنجازات.

فالبعض يرى أن انتاج أعضاء غير بيولوجية وزرعها في الجسم قد ينتج عنه مضاعفات كبيرة منها عدم تقبل الجسم لهذا العضو الجديد والغريب أيضا، علاوة على أن بعض الأعضاء لم يحدث فيها أي تطور يذكر، مثل زراعة الأعضاء التناسلية «الغير بيولوجية» وأقصد بذلك الخصيتين والمبيضين، وليس القضيب والمهبل. كذلك الأعضاء الأساسية مثل الدماغ والذي لا يمكن أن يضاهيه أي آلة أو جهاز، لذلك توجهت هذه الفئة من مستقبل الأعضاء الصناعيةالعلماء الى تبني دراسات الخلايا الجذعية والتي تعتبر الأساس لجميع الخلايا الموجودة في جسم الإنسان، حيث أن هذه الخلايا لها القدرة على التشكل والتخصص لأي نوع من الخلايا مكونة أنسجة، قام بعض الباحثين باستخدام الخلايا الجذعية مأخوذة من المشيمة والحبل الشوكي للجنين «بحكم أنها أكثر نشاطاً من الخلايا الجذعية عند البالغين» لإنتاج أعضاء صناعية «بيولوجية» تحل محل الأعضاء التالفة، مع أن هذه الأبحاث مازالت في طور بداياتها وتم تسجيل العديد من الانتكاسات في الحيوانات إلا أن البعض لا زال يعتبر أن البداية مشجعة جداً لتطور هذا المجال خصاصاً مع ظهور نتائج تثبت فعالية وجدوى زراعة الخلايا الجذعية في علاج الحالات المتقدمة من سرطان الثدي عن النساء، كذلك استطاع العلماء أن يحقنوا الخلايا الجذعية داخل البنكرياس من أجل علاج مرض السكر بشكل كامل والنتائج مبشرة جداً.[3] 

كما استطاع العلماء أن يصنعوا جلداً صناعية «بيولوجي» من خلايا جذعية تمت زراعته في مرضى فقدو جلدهم بسبب الحروق وسرعان ما نمت هذه الخلايا مكونة جلداً جديداً. [4] 

مستقبل الأعضاء الصناعيةويمكن اعتبار أكبر تطور في مجال الخلايا الجذعية هو ما توصل العلماء في اليابان الى صناعة أول أذن بشرية من خلايا جذعية، فقد زرع العلماء الخلايا الجذعية في جلد فأر «الحاضن»، وقد نمت الأذن بدون أي مشاكل تذكر وهو ما أكده العالم الياباني تسويوشي تاكاتو بقوله " إن طريقتنا فريدة لأنها تعتمد على تخليق الأعضاء خارج الجسم وزراعتها في حيوانات مخبرية ثم نعيد زراعتها في الإنسان المصاب. [5] 

كما استطاع بعض العلماء اليابانيين بقيادة هيديكي تانيغوجي من جامعة يوكوهاما من وضع منهج يمكن بموجبه صنع خلايا الكبد باستخدام الخلايا الجذعية.

كل هذا التطور في الخلايا الجذعية يفتح الآمال الكبير أمام الكثير من المرضى الذين هم بأمس الحاجة الى زراعة أعضاء.

تقنية النانو وزراعة الأعضاء الصناعية:

بالرغم من حداثة هذه التقنية إلا أن العلماء المتخصصين في زراعة الأعضاء لم يستثنوا هذه التقنية من دراساتهم وأبحاثهم، ففي مصر أقيمت ندوة مستقبل الأعضاء الصناعيةبعنوان نوادى علوم الأهرام تحدث فيها الدكتور إبراهيم الشربيني أستاذ مساعد علوم المواد النانونية ومدير مركز أبحاث علوم المواد بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، ذكر الدكتور الشربيني اثنين من تطبيقات هذه التكنولوجيا وهي ”هندسة الأنسجة“ «وهو ما يهم بحثنا هذا» وتقوم هذه الهندسة بتطويع عمل الخلايا الجذعية من نفس المريض لإنتاج عضو كامل مع توفير دعامات تحمل الخلايا وتوفير البيئة المناسبة لتنمو وتتكاثر من خلال مواد ذكية نانونية تتوافر فيها مواصفات معينة مثل أن تكون غير سامة وقابلة للتحلل ولا يطردها الجسم. [6] 

الطباعة الثلاثية الأبعاد:

فمع تطور تكنولوجيا الطباعة الثلاثية الأبعاد استطاع العلماء توظيفها في تجارب طباعة الأعضاء الحية، حيث أكد العلماء أن العظم والغضروف مستقبل الأعضاء الصناعيةوالعضلة التي تم طباعتها بواسطة حبر حيوي كلها تعمل بصورة طبيعية عندما زُرعت في الحيوانات [7] .

والتحدي الوحيد الذي واجه هذه التقنية هو إبقاء الأنسجة والخلايا «المطبوعة» حيةً لأطول فترة ممكنة خارج الجسم وذلك لافتقادها للأكسجين والأوعية الدموية خصوصا للأنسجة التي يزيد سمكها عن 0,2 ملم، لكن هذا لم يكن عائقاً امام الشركات والمستشفيات التي بدأت تتسابق في الإعلان عن توفر الأنسجة المطبوعة بالحبر الحيوي، وتعتبر شركة organovo من الشركات الرائدة في هذا المجال والتي أدرجت في بورصة نيويورك عام 2013م.

معوقات زراعة الأعضاء الصناعية:

1. التجارب لا زالت في بداياتها:

بالرغم من التطور الهائل في هذا المجال إلا أنه لازال من المبكر التعويل على الأعضاء الصناعية في الفترة الحالية خصوصاً للمرضى الحاليين، فالتجارب لازالت في بداياتها والعمليات التي تم إجراؤها للمرضى كانت بشكل مؤقت لحين توفر البديل الطبيعي، وكذلك فإن دراسة التأثيرات الجانبية تحتاج لمدة طويلة وأشخاص كُثر للتجربة عليهم.

2. صعوبة العمليات والتكلفة العالية:

فالأبحاث بصفة عامة تكلف اموالاً طائلة، مقارنة بالمدة التي سيعمل فيها هذا القلب، فقد ذكر طبيب القلب في مستشفى بمرونجراد الدولي في بانكوك إن عمليات زرع القلب الصناعي معقدة وصعبة جداً وصاحب القلب الصناعي لا يعيش أكثر من ثلاث سنوات ([8)]، علاوة على أن المريض قد لا يتمكن من توفير المبلغ اللازم لمثل هذه العمليات فتكون محصورة بأصحاب الثراء والذين يلجأون بالعادة الى شراء أعضاء من الفقراء بدلاً من الإتكال على عضو صناعي قد لا يدوم طويلاً

3. الأعراض الجانبية التي يتعرض لها المريض:

أغلب المشاكل التي يعاني منها المريض حال زرع العضو الجديد في الجسم هو مدى تقبل الجسم لهذا «الشيء» الغريب، فيلجأ الأطباء الى إضاف المناعة عند المريض من أجل تقبل الجسم لهذا العضو، ثم يتم رفع المناعة بشكل متدرج، المشكلة تكمن في الفترة التي تكون فيها المناعة ضعيفة، حيث يكون الجسم في أضعف حالاته ولا يستطيع مقاومة الميكروبات المختلفة.

ختاماً لازالت الأبواب مفتوحة أمام الدراسات الحديثة المرتبطة بالأعضاء الصناعية.. وأظن أنه خلال العقد القادم سنشهد افتتاح معامل لتصنيع الأعضاء حسب الطلب، وطابعات تنتج ما نصممه من أعضاء بمجرد الضغط على زر طباعة.

[1]  www.texasheart.org/research/devices
[2]  www.med.umich.edu/opm/newspage/2002/artificiallung.htm
[3]  الخلايا الجذعية: حاضرها ومستقبلها، مجلة العلوم والتقنية العدد 94 «2010»
[4]  نفس المصدر السابق
[5]  موقع الجزيرة «انتاج اول أذن بشرية من خلايا جذعية مستحدثة»
[6]  جريدة الأهرام 17/5/2015 العدد 46913
[7]  مجلة إيلاف العدد 5405 الأربعاء 9 مارس 2016
[8]  جريدة عُمان 26/8/2017 ”عمليات زرع القلب معقدة وتتجاوز تكلفتها 200 ألف دولار“