آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 9:59 م

حسن السبع.. المصباحُ الخفي

نجيب الزامل صحيفة اليوم

حسن السبع يرحمه الله كان معنا.. ولم يكن معنا، أصر أن يعيش بجزيرة مزهرة منعزلًا ومعطاءً.

حسن السبع واحد من أفضل ما قدمته منطقتنا الشرقية بالذات من المثقفين المطبوعين، ويكاد يكون الوحيد في المشهد الثقافي الذي هو مثقف رغمًا عنه، أو مثقف بطبيعته، وهؤلاء النوع من الناس ينيرون الفكر بلا خوض في ميادين الجدال والحوار، ولا من الذين يتسابقون للمنتديات ومسارح الظهور والشهرة. إنهم كالمصباح الذي ينير رغمًا عنه، لأن لا عمل له غير الإنارة.

ينسى معظم الناس أهم الأشياء في حياتهم لأنها تجري بطبيعة نفعها لا بإلحاح ظهورها. ننسى الهواء الذي نتنشقه، وننسى مصدر الضوء لأنه لا يشير لذاته، ضرورة وجوده بنفعه كمصدر من مصادر الحياة بدون أن يكلف من يخدمهم أي نوع من الإلحاح أو التذكير بالحضور.. فيغفل عنه الناس إلى ما هو أقل، لأن الأقلَّ يتصف بالإلحاح وشدة إثبات الحضور.

«وودي آلن» قائد السينما الساخرة النيويوركية قال شيئًا عبقريًا ومهما وحقيقيا شديد الواقعية وهو: «إن القدرة على الحضور هي تسعة وتسعين بالمئة من النجاح». لذا ترى أن من يصل للمناصب والشهرة وحصد الجوائز أصحابُ الطلّة والظهور بكل مكان ومناسبة. ولا يحصد الهواءُ الخفي الأهم الجوائز والمناصب، ولا تُكافأ المصابيحُ لانها ترسل نورها غامرا بلا طلبٍ ولا مكسب أو مطمع.

هكذا كان حسن السبع العبقري الساخر الموسوعي، يصر على كتابة مقالات الفكر الجميل والمعلومة السائغة، يصر أن ينير مهما عصفت بالمصباح عواصف الظلام والإظلام. كان عنيدا جميلًا لكن بنعومة وانسيابٍ وسهولة في فرش طريق الورود في مفازات العراك والضرب والتراشق. عاش بجزيرته المزهرة معتزلا، متنسكا فكريا، إنساناً أصر على إنسانيته حتى آخر قطرة. لست آسفا أن صديقنا وأستاذنا حسن انتقل للرحمة الإلهية بلا ضجة إعلامية.. فهو لم يكن يحب الضجيج. فحصل له أكثر ما أحبه؛ السكينة وجمالُ الانصراف.

حسن السبع كالنجوم تموت بصمت جليل في عمق أبعاد الكون.. ويبقى ألقًُ نورها.