آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 9:59 م

صرخة أنثى للشاعرة نازك الخنيزي

سعود عبد الكريم الفرج

عادة ما تكون النصوص الرومانسية مغرقة في الذات لحد الهذيان وقد يتحول هذا الهذيان إلى بوح مذهل تتفجر منه الأحاسيس الإنسانية بانسيابية ونفاذ إلى نفس متلقيها فيقف مشدودا أمام  صورها المعبرة مثيرة فيه شعورا بالنشوة والارتياح، وبعضها يأتي متكلفا  تجعل القاري يمر عليها مرور الكرام.

النص الذي أمامي حسب قراني المتواضعة تتراقص فيه بعض أنغام الموسيقى بجرسها الصافي الذي سرعان  ما يخترق الآذان ليحط في القلب مباشرة فيهز مسارب الشعور رغم بعض القفلات التي جاءت نشازا بين فقراته إلا إنها لا تقلل من قيمته كنص أدبي يختلج بالمشاعر الإنسانية  الفياضة بالشوق والحنين خاصة عندما تعود الشاعرة إلى قلقها الأزلي في ختام النص مسدلة الستار بصدق ونجافأعطى النص مرونة  الحركة والتألق ، فعندما  تعبر الأنثى  عن مشاعرها فإنها لا تعرف التقمص  أبدا فهي الأنثى المجبولة على العاطفة الإنسانية  الصادقة التي تفيض حنانا ورحمة بين شغاف قلبها باعتباره الأم والأخت والزوجة والحبيبة لذا فساكون بعيدا عن النقد المتعارف عليه باستثناء بعض الملاحظات التي سأوردها في نهاية هذا الموضوع المختصر جدا..

.. تقول الشاعرة في بداية نصها:

الحد الفاصل بين الصمت والبوح ..
شفاه مرتجفة ..
تتكسر على بابها تنهيدة موج ..
وحروفٌ تمادت كالأغصان

إن هذه الحركة الوجدانية لها علاقة وثيقة بالمعاناة عبر كلمة الشفاة المرتجفة التي راحت تتكسر من حدة الوجع فلم تعد قادرة عن الإفصاح وقد تلتها تمادي الأغصان فأضفت عليها حرارة وزخما من الانفعال والتي مثلت  فيها بؤرة ذلك الانفعال حقا مما جعلني كمتلقي أعيد قراءة المقطع أكثر من مرة عليِّ امسك بلباب المعاناة محاولا سبر غورها الأدبي كمتذوق للشعر لذا فالنص ينم عن ثنائية هي تعبير للفعالية النفسية والعاطفية تنحاز فيه الأنثى إلى البوح عن وجدانها بعيدا عن التقمص أو خلف غلالات الغموض.

تواصل الشاعرة  نصها عبر تهويمات  رومانسية مغرقة في الوصف والعاطفة المنسابة غلب عيها الفعل  المضارع الذي يعتبر من الأفعال المرنة يجعل الكلمة أكثر انسيابية وتأثيرا

حروفك تداعب ثغري
بدلال السحر
تغرس في صدري النبض.  ألخ

لقد صاغت نصها من  مدخور  وجداني مشعا  بالأشواق والتطلعات فجاء  يتحدث بدون مراواة  أو تكلف.

اما عندما تعتصر المعاناة قلبها فيتفجر هذا البوح في زخم شعوري لاهب موغلة في استجداء الحبيب الذي ظل متواريا خلف النص فلا صوت له ولا حركة:

خلف الضباب حرائقٌ ..
خلف النجوم كواكبٌ ..
خلف الحريق جنون يشعلني كحلمٌ الفجر ..
يمنحني الضوء ويرميني كموج في بحر ..
تصنع لي الحلم كأطواق نجاة.

وتأتي الكلمات ( حرائق ، جنون ، موج واطواق نجاة)  كردود فعل مثخنة بالألم عاكسة  حدة الانفعال عند الشاعرة.


ويصل النداء قمته  في نهاية النص مازجة فيه بين التجربة الموغلة في الخصوصية والتجربة الكلية في مرافئ الحب الذي طيفه هو الاستقرار والأمان:

دعني أستعيد الهمس من شفتيك ..
وبين ذراعيك أختصر مسافات البعد ..
دعني ..
صرخة أنثى في ضلوع الشوق.

إنه استغلال موفق جاء في نهاية  الذروة الشعورية مما أعطى النص إحساسا هائلا عبر جملة :
صرخة أنثى في ضلوع الشوق.

ملاحظات أخيرة حول النص:

النص مكتنز بلغة شفافة شاعرة تترتسم
من ثغر النسقية الشعرية الحالمة
اللغة سهلة والانزياحات ابتعدت عن النشاز
فكانت منسابة رقيقة مرهفة رغم عدم الاتزام بجرس موسيقي موحد
تخفت الصورة عند قلق الوزن وتسمو عند كل مدخل لصورة أخرى

أما الوزن فهو متقطع بين الكامل والبسيط في مستفعلن ومتفاعلن وفاعلن أحيانا
غياب الجرس في بعض المقاطع أقلق النص بعض الشيء
النص كفكرة وهيكل متماسك الصورة كمتن واحد
تكرار بعض المفراد محل قراءة من حيث الابتكار والإبداع وخفوت