آخر تحديث: 25 / 11 / 2017م - 11:56 ص  بتوقيت مكة المكرمة

اجتثاث سرطان الفساد من جسد البلاد

عبد الله محمد الحسن صحيفة الاقتصادية

كشفت دراسة استقصائية أجريت أخيرا من قبل منتدى الاقتصاد العالمي في شهر أغسطس الماضي أن الفساد أولا، ومن ثم يليه اللامساواة وانعدام الفرص الوظيفية والاقتصادية، تعتبر من أكثر القضايا الوطنية إلحاحاً من قبل جيل الألفية في جميع أنحاء العالم. وتقدر التكلفة السنوية للرشوة - وهي مجموعة فرعية واحدة فقط من الفساد - بما يراوح بين 1,5 وتريليوني دولار ”أي ما يعادل 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي“ حسب تقديرات صندوق النقد الدولي. وتمثل هذه التكاليف غيضا من فيض، حيث إن الآثار على المدى الطويل تذهب أعمق بكثير. إن تصريح النائب العام وعضو اللجنة العليا لمكافحة الفساد مقدرا قيمة الأموال التي خسرتها المملكة بسبب الفساد أكثر من 375 مليار ريال سعودي ”100 مليار دولار“ ليس سوى قمة جبل الجليد، حيث إن الفساد عالم خفي كامل يشبه تنظيما سريا يقوده أصحاب النفوذ، ونادرا ما يجرؤ أحد على تحديه أو الإفصاح عنه.

حتى عام 1996، لم يكن الحديث عن الفساد على الساحة الدولية بشكل صريح، ولكن بشكل ضمني وعلى استحياء حيث إن موضوع ”الفساد“ كان يطرح ويناقش على أنه ”حوكمة المؤسسات“. خلال ذلك العام في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ألقى جيمس وولفنسون رئيس البنك الدولي السابق خطابا رائدا عن الفساد ”إذا كنا لا نريد سرطان الفساد أن ينتشر في جميع أنحاء العالم، نحن أنفسنا يجب أن نقف في وجهه“. طبعا هناك تعاريف عديدة للفساد، ولكن المنظمات الدولية إجمالا تعرف الفساد العام إنه ”إساءة استخدام المناصب العامة لتحقيق مكاسب خاصة“.

يظهر الناس حول العالم علامات متزايدة من السخط ويطالبون حكوماتهم بالتصدي للفساد بشكل أكثر عدوانية. ولكن لماذا تواجه بعض الدول عقبات في مكافحة الفساد؟ ويكمن جزء من الجواب في حقيقة أن الفساد المنهجي متوطن جدا في نسيج بعض المجتمعات، وأن التغييرات في السلوك تتطلب تحولا كبيرا في التوقعات. ومن هنا لابد من التذكير بأن البدء في أنشطة فاسدة تكون إما من جانب العرض ”تقديم رشوة“ أو جانب الطلب ”طلب الرشوة“، ولكن في الممارسة العملية غالبا ما يكون من الصعب فصل الاثنين. فالفساد ينطوي على مدفوعات أو مزايا غير مشروعة، ويمكن أن يتخذ أشكالا مختلفة كأن يحدث على مستوى ”كبير“ أو سياسي، أو على مستوى ”صغير“ أو بيروقراطي. لذا يمكن للفساد أن يؤثر في تصميم السياسات ”سواء الاقتصادية أو المالية أو الاجتماعية“ وتنفيذها، وأن يؤثر في القرارات التنظيمية أو الحكومية. ويمكن أن يشمل الفساد أيضا الاستفادة من خلال المشاريع الفردية وكيفية منحها أو إعادة التفاوض بشأنها. وتحدث أشكال أخرى من الفساد في المستويات الدنيا، بما في ذلك إنهاء الإجراءات الحكومية.

ونظرا للتكاليف الاجتماعية المرتفعة، لماذا يصعب جدا الخروج من فخ الفساد بنجاح؟ كما هو الحال في أي نوع من التفاعل الاجتماعي، عندما يكون الفساد النظامي هو القاعدة، يعتقد الناس أن الآخرين يقبلون أو يقدمون رِشا، ونظرا لهذه المعتقدات، يصبح عدم الدخول في لعبة الفساد مكلفا لأنهم لن يتمكنوا من الحصول على بعض المشاريع إذا قاموا بتأدية أعمالهم بطريقة نزيهة. وعلاوة على ذلك، فإن هذا التوازن غير الفعال هو أمر مستديم لأن الشركات والسياسيين يستطيعون التواطؤ واستخدام العائدات الناتجة من الإجراءات الفاسدة السابقة لتأمين فوائد مستقبلية على حساب المجتمع. لذلك مكافحة الفساد تتطلب سياسات قوية تؤدي إلى تغيرات في المفاهيم الاجتماعية حيث ينظر إلى الفساد على أنه الاستثناء وليس القاعدة. وعندما يسقط الفساد، ستكتشف الحكومات بسهولة أكبر أولئك الذين ما زالوا فاسدين لأنهم سيبرزون على الساحة. ولكن تحقيق إعادة التنظيم في الحوافز والسلوك ليس بالأمر اليسير. فمكافحة الفساد مشكلة عمل جماعي مشترك بين الدول والشعوب، لذلك هناك حاجة ملحة للاستمرار في تقديم جرعات قوية لمكافحة سرطان الفساد من أجل تعزيز الديناميكية الإيجابية للخروج من التوازن السيئ.

إن القلق الذي ينتاب جيل الشباب ”ليس في المملكة فقط“ من تفشي ظاهرة الفساد وبالتالي الحد من التنافس العادل في المجال الاقتصادي، حدا ببعض القادة الوطنيين أن يجعلوا مكافحة الفساد الأولوية القصوى. أيضا وضع وإنفاذ استراتيجية متماسكة لمحاربة الفساد ربما يكون أمرا صعبا ويستتبع التعلم بالممارسة ويعتمد على الظروف الخاصة لكل بلد. ولكن الاستفادة من الخبرات الدولية والإقليمية يمكن أن توفر رؤى وتوجيهات لمكافحة الفساد، وهذا ما سيتم نقاشه في المقال المقبل.