آخر تحديث: 21 / 11 / 2017م - 11:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

إليك أوبتي‎

«إلهي هل يرجع العبد الآبق إلا إلى مولاه».

تصوير لحالة العبد في لحظة صفاء النفس وخلوها من سالبات الفكر الواعي، يبدي صورة جميلة مغايرة لما كانت عليه من غي وإسراف، فسكرة الشهوات تغيب العقل عن رؤية نافذة وبصيرة ثاقبة بحقائق الأمور ومآلاتها، وتسلبه الفطنة فيعيش غفلة لا يفيق منها إلا مع حلول ساعة الرحيل، ولكن بقايا اليقظة الروحية التي يمتلكها من ضياء عبادته وحسن معاملته استنقذته من الاستمرار في طريق العصيان.

عادت له لذة اسنطاق ألوهية خالقه ومدبر شئونه، واستشعر برد الاستظلال بالطمأنينة الذكرية، واستوحش من غياب الخشية والرقابة الإلهية من نفسه لجميع حالاته، فنسي أنه لا يغيب منها شيء مطلقا، فالويل والثبور لمن جعل أبصر الناظرين عز وجل أهونهم في حسابات تصرفاته ومدركات فكره.

وهنيئا له أخذ خط العودة إلى الله تعالى، فهذه الخطوة الأولى في إعلان توبته ورجوعه عن غيه، ونفض عن نفسه غبار الانقياد السهل للشهوة.

والمعلم الأول لرجعته وأوبته هو الاعتراف والإقرار بسوء ما كان عليه من حال وهو يقارف المعاصي، فلم يرتد برداء المكابرة والتبجح والتبرير لممارساته، وادعاء الضعف أو غلبة الشهوة ووقوعه أسيرا تحت قيود الأهواء، بل يحيا حالة النقاء وصفاء النفس والذي انعكس عليه تجليا للصورة الحقيقية لعلاقته بخالقه وما يؤول إليه مصيره، ولا يجد غضاضة في انكشاف سوء حاله والإقرار به؛ لينطلق في رحلة العودة إلى الله وطلب الطمأنينة والثقة بوعده، فهاهي الحقيقة الغائبة عن بصيرته لانشغاله بالشهوات والنزوات، وهي أن حياته القصيرة كيفما عاشها فإن لها مآلا وأجلا ينتهي برحيله منها، وكل ما يحياه ويفعله لن يذهب سدى بل سيحاسب عليه ويجازى.

وحالة طغيان النفس واللا مبالاة بارتكاب الذنب وعدم تطهيرها من آثاره، ألبست هذا المتمرد على الأوامر الإلهية رداء التكبر والتعالي والغفلة، أما والآن وقد استيقظت روحه وتنبهت لخطأ ما كانت عليه من حياة اللهو واللعب، فاستضاء بنور الاستغفار والأوبة الحقيقية ومعرفة طريق الحق والفضيلة.

ويحقق العبودية التي تصنع نفسه وتكاملها باتباع الهدي الإلهي، فالانسياق خلف الشهوات هو عبودية الذلة والضياع والخسران المبين، وأما البصيرة النافذة التي يشعر معها بالعظمة والقدرة الإلهية المتصرفة والمدبرة لجميع شئونه فهي دليل الصواب والموفقية، فإنه مهما ارتكب من سيئات أبعدته عن الاستظلال بالرحمة واللطف الإلهي بحاله، فإن هذا لا يغير من الواقع شيئا وهو أن أزمة أموره وأحواله بيد الله تعالى، وها هو يعلن الرجوع إلى سيده ومولاه والهروب من حالة الضياع ومقارفة المعاصي؛ أملا في حياة إيمانية تختفي منها لحظات الضعف أمام المعصية.