آخر تحديث: 16 / 7 / 2018م - 6:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

بؤس المبدعين

محمد الحرز صحيفة اليوم

إذا لم تعش حياة بائسة، فأنت لن تصل بالكتابة إلى جذورها وبالتالي تفردها. هذه هي النتيجة التي ما فتئ الأغلب من المهتمين بالكتابة الإبداعية المتميزة يرددونها في كل مناسبة وفي كل محفل. لكن ما الذي تعنيه الحياة البائسة بالنسبة للكتابة الإبداعية وتفردها؟ والأهم لماذا تم ربط هذا بذاك؟.

بالنظر إلى تاريخ حياة المبدعين على مستوى العالم، فإنك لا تجد في سيرهم ما يخلو من بؤس وعذاب وألم، يقل أو يكثر عند هذا أو ذاك، غير أنها في النهاية كما يؤكد الكثير من الدارسين تمثل ينبوعا لا ينضب، يمد هؤلاء المبدعين بشلال من الإبداع، لا يتوقف طالما الينبوع لم ينضب أو على الأقل لم يقل منسوب مياهه. هناك سلسلة طويلة من الأسماء التي يشار إليها بالبنان حول الآلام التي لازمتهم طوال حياتهم، وكانت سببا رئيسيا خلف السر وراء تميزهم الإبداعي. سأركز على مثالين اثنين الأول شاعر والآخر روائي عاش الأول ما بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر بينما الثاني عاش في القرن التاسع عشر. هما الشاعر الألماني هولدرين والروائي الروسي دوستويفسكي.

قد يتساءل البعض لماذا من بين الأسماء شرقا وغربا قديما أو حديثا في العالم أجمع اخترت هذين الاسمين؟.

عندي سببان أراهما وجيهين فيما يتعلق بالعلاقة بين الألم وقوة الإبداع من جهة وبين الموقع الذي يحتله في أدب بلاده ومن ثم في الأدب العالمي من جهة أخرى. وهذان الاسمان حققا ما أرمي إليه من أسباب. قد يعترض آخر ويقول: إن مثل هذه العلاقة نجدها أيضا عند الكثير من المبدعين في العالم العربي الذين عاشوا البؤس من جهة، وكان لهم الموقع المؤثر على أدب بلادهم من جهة أخرى. لا يخلو مثل هذا الكلام من وجاهة وموضوعية. ولا يخلو من صحة. لكن ليس بالمطلق. فالبوصلة التي تقودني لاختيار هذين دون غيرهما، إضافة إلى ما ذكرت أيضا، هو موقعهما على خريطة الأدب العالمي، لا أتحدث فقط على مستوى المتأثرين بهما من خلال الكتابة الإبداعية من حيث الأسلوب ومميزاته أو الفكرة وأبعادها، بل من حيث بناء النظرية في الشعر والنقد والفلسفة، وهذا ما لم يتوفر لأغلب الأسماء في الثقافة العربية، فالمتنبي على عظمته وأثره لم تنتج الثقافة المعاصرة العربية وفق تجربته نظرية قائمة بذاتها. عموما الحديث يطول هنا. وبالعودة إلى المثالين. كل أسباب البؤس ارتبطت بهما عاش الأول معدما لا يملك قوت يومه إلا ما ترسله له والدته من مساعدة، كان يرى نفسه المرسل من طرف عظماء الشعر وحياته يجب أن لا يشغلها شاغل عنها لا وظيفة ولا شيء آخر، بينما عاش الثاني منفيا في صحراء سيبيريا في بيت للأموات لمدة أربع سنوات عدا فاقته وصراعه مع المرض.