آخر تحديث: 24 / 2 / 2018م - 8:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

«رأيت».. دمشق

يوسف أحمد الحسن * صحيفة الخليج الإماراتية

ها نحن نعبر مطار دمشق فجراً، وقبل يومين من مئوية جمال عبد الناصر. وبرغم شهقة البرد، وكثافة الضباب، فقد فتحت نافذة العربة، التي تقلني وأعضاء وفد اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، إلى اجتماعات المكتب الدائم لاتحادات الأدباء والكتاب العرب، ومؤتمر «ثقافة التنوير»، المقام على هامش هذه الاجتماعات.

يتداعى إلى الخاطر، منذ لحظة الوصول، عصر دمشق الجميل، وصورتها المضيئة في مخيلتي، أسأل مرافقي عن حال الأمن الراهن، في طريق المطار، ويقول بثقة، «أمان بحمد الله، وسترى ذلك بنفسك».

ما أغنى المشاعر والأحاسيس التي غمرتني، ونحن نقترب من بوابات دمشق، أتأمل أسرارها وأحزانها وقلقها، مشاعر مختلطة، أفتش فيها عن كلمات ضائعة، يلبسني التاريخ، فينتفض الحاضر، أحدق في بهو ومقاعد فندق «قصر الشام»، الذي زرته قبل عقود.. وتطل في الخاطر ذكرى، زيارة رسمية للمرحوم القائد المؤسس الشيخ زايد «طيب الله ثراه»، إلى دمشق إثر حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وقد التحقت والصديق المرحوم تريم عمران بالوفد، قادمين من القاهرة، وكيف حرص الشيخ زايد على زيارة للقنيطرة، التي عانت أثناء الحرب، اختلطت المشاعر، السعادة بالحزن والدهشة بالأسف، دوامة بلا نهاية من الأحاسيس.. لماذا جئنا؟ وهل تأخرنا؟ سعادة المضيفين بِنَا طاغية، ويجيبني الصديق الشاعر حبيب الصايغ، في كلمته الافتتاحية، «وصلنا إلى أنفسنا، حين وصلنا إلى دمشق»، هل يكفي أن يكون وصولنا، من أجل الثقافة، ومن أجل التضامن مع الكاتب والأديب والمبدع السوري؟

قلت في كلمتي، «نلتقي حول الثقافة، ونختلف بعيداً عن التخوين والتكفير».

أتأمل جبل قاسيون، من نافذة الفندق، ها هو في موضعه، لم يرحل، ولم يُهجّر، كم مدينة خُربت، وقرية ذبلت في حروب عبثية، وها أنا أرى دمشق متجهمة، مكسورة الخاطر، تحملت الكثير، وكأني بها تلقي برأسها المتعب، على أكتاف الأدباء والكتاب العرب، الواصلين إليها، أتأمل المباني المتلاصقة بلونها الغامق، أبحث عما تبقى من «فُل دمشق وياسمينها»، وأتذكر منتزهاتها، ورائحة الأرجيلة المختلطة برائحة القهوة العربية، وأدور بعيني يمنة ويسرة، أتفحص وجوه المارة، في مدينة عربية لصيقة للأفئدة والمسرة والنخوة العربية، مررت بباب توما ليلاً، ورأيت أسوار دمشق القديمة، وتناولنا عشاء في مطعم أمام المسجد الأموي. وسور الكنيسة المريمية، حضر صوت صباح فخري، وكأنه يرش جراح دمشق بالأمل والفرح، تمنيت لو صليت ركعتين في المسجد الأموي، وأن أقرأ الفاتحة أمام ضريح صلاح الدين الأيوبي، وأن أقف أمام تمثال يوسف العظمة، بطل ميسلون «1920»، الذي لم يطأطئ رأسه أمام الغازي الفرنسي.

في دمشق، تذكرت نزار قباني، والماغوط، وبركات وأدونيس، وقامات أخرى في الأدب والفكر، وتوجعت وأنا أبحث عن مذاق دمشق القديم، عن جمالها «واعتدالها» الديني والمجتمعي، الذي انتهكه القساة والطغاة والغلاة والمتوحشون. قال لي روائي سوري، وهو يقدم لي روايته الجديدة، «دعنا لا نحدق في أخطائنا أو أخطاء الآخرين، لكن لا تديروا ظهوركم عنا». وقالت لي سيدة عجوز، اكتشفت لاحقاً أنها الروائية كوليت خوري، حفيدة فارس الخوري، «لا تتحدثوا عن سوريا بصفتها مجرد نشرة أخبار في محطة تلفزة فضائية»، وسألني شاعر سوري، يكتب عن الحرية، وجنرالات «غابات الاستواء»، وعن طباع قريته الصغيرة، التي لا تحب البرد ولا المقابر، «ما هي حصة المثقف والمبدع والأديب، فيما جرى في سوريا من أهوال»؟

قبل إلقاء كلمتي في المؤتمر، تعرضت لامتحان مباغت من طرف أكاديمية سوريّة، ويسارية للغاية، حينما فاجأتني في خطابها «السياسي الخالص والفج» والمكتوب، بترديد أسطوانة مشروخة ومغشوشة، عن الإمارات، سمعناها مراراً، في خطابات «الجزيرة» والتيارات «الإسلاموية» المتطرفة والميليشياوية والإرهابية «الإخوانية»، وهي الخطابات والأفعال التي مزقت النسيج المجتمعي السوري، ومجتمعات عربية أخرى، وحاولت افتراس سوريا وغيرها، وصبغ أراضيها بالدم والدمار، قلت لها، «إننا جئنا دمشق، نمسح جروحها التي أدماها من ترددينَ خطابهم، ممن حرّض وجيّش وروّج وضلّل وموّل واحتضن وكفّر وذبح.. إلخ، حتى صارت سوريا مشاعاً للمقاتلين الجوّالين، وملعباً للميليشيات والقوى الإقليمية والدولية، «وصيدة» حسب مصطلح أحد سيِّئي الذكر»، وجاءنا من يعتذر عما ورد من صاحبة الخطاب المغشوش والموتور.

رأيت دمشق، بقلب مكسور، لمَ لا وقد أفرزت الحرب فيها وعليها، خرائط صغرى، فقيرة ومثخنة جراحاً؟. قال لي روائي سوري «كردي»، «لا نريد تمزيق الخرائط، وإنما نريد حقوقنا كمواطنين»، قلت له، «أخطاء الساسة دوماً كارثية، ولم يبقَ لكم صديق سوى الجبال، والدولة الوطنية العادلة والقوية هي جواز السفر إلى المستقبل».

إن ما يتمزق في كل مكان هو عربي، الإنسان والأوطان والهوية القومية والموارد، وليس التركي والفارسي والغربي والروسي، والشيشاني والميليشياوي، ووصلنا إلى حالة يعتقد العالم فيها، أن قتل الإرهابيين «الذين دخلوا سوريا والعراق بمعرفة عيون دولية» في الساحة السوريّة، أفضل من مطاردتهم داخل مدنه.

لا يكفي القول بأن عرباً تمردوا، على التركي أوالفارسي أو الروسي أو الغربي، وإنما يحتاج الأمر إلى أن يتحول هذا التمرد، إلى إرادة عربية فاعلة، تستعيد التوازن والأمن القوميين، بدءاً من استعادة سوريا والعراق.

تعالوا نستعِدْ سوريا إلى الحضن العربي، ونساعدها على لملمة شظاياها، قبل أن تنتهي إلى خضوع تام لقوى أجنبية، قد تطول إقامتها في سوريا، ولسد رياح التمزق، ووقف تبدل الهويات، وأمواج القتل واللاجئين.

تعالوا نستعِدْ سوريا، ووقف حروب التفكك والطلاق، وإبطال حروب أخرى أشد وأدهى. دعونا نستعِدْ المجتمع السوري، والأديب والمبدع، واحترام كرامة الإنسان، في المخيمات والمنافي.

ليس بالبطانيات التي تغطي أجساد الأطفال، وإنما بقرارات وسياسات حتى ولو كانت مؤلمة، تمنع من تحول سوريا، إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولحماية أجيال ولدت في أزمنة الميليشيات المذهبية، ومخيمات اللجوء، وثقافة التكفير والكراهية والإقصاء، وقبل أن تصير خرائط الأوطان من ورق، يتقاسمها ألف «سايكس» وألف «بيكو»، من قوى دولية وغير دولاتية.

تعالوا ندفن «ربيعاً» مغشوشاً أو مسروقاً أو مصنعاً، سيّان، قبل أن يطول الطريق إلى دمشق، أو يضيع الطريق إلى بغداد.

لنستعِدْ سوريا، الوطن والكيان، ولا نتحدث عن «نظام»، وفي الخاطر يلوح الدور المصري المعهود منذ قرون، برؤية جديدة، وصياغة جديدة للأمن القومي، بعيداً عن الثارات والمرارات، والتي ما أنتجت غير الدمار والآلام والدماء وهدر الموارد والإمكانات.

تعالوا نمسح جروح الشام، ونُعِدْ أساور الياسمين إلى معصميها، ماذا «أقول وقد ناحت بقربي، حمامة»؟، تعالوا نقاسمها الهموم تعالوا.!

Twitter | @yousefalhasan