آخر تحديث: 20 / 8 / 2018م - 11:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

ولادة عسيرة لنظام دولي جديد

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

هناك إقرار أممي واسع، بأن مرحلة جديدة في التاريخ الإنساني، بدأت في التعبير عن ذاتها، في شكل نزعات استقلالية بأنماط مختلفة، عن هيمنة اليانكي الأمريكي، كان مطلعها رفض الحليف الفرنسي لاحتلال العراق، عام 2003، وتهديده باستخدام حق النقض، في حال تجرأت حكومة جورج بوش على استصدار موافقة دولية، تسمح باستباحة العراق واحتلاله.

توالت الأحداث، ومثلت حقبة ما يسمى «الربيع العربي»، تحولاً دراماتيكياً من قبل روسيا والصين، في تحدي السياسات الأمريكية، حال دون نجاح مشروع الإخضاع الأمريكي في عدد من المواقع. وخلال سنوات قليلة، تحولت الأزمة في سوريا، إلى ما يشبه الحروب الطاحنة بين قوى التطرف العالمي التي قدمت من كل مكان، باختلاف توجهاتها، لتشكل نوعاً جديداً من حروب الوكالة، لصالح قوى دولية وإقليمية وعربية. وفي هذه الأزمة تحديداً، تم امتحان جدية القرار الروسي، بالعودة بقوة وثبات للمسرح الدولي. ودخلت الصين على الخط، بقوة أيضاً، كلاعب منافس في المسرح الدولي، للهيمنة الأمريكية، إلى جانب حليفتها روسيا الاتحادية.

وخلال السنوات المنصرمة، تصاعد التحدي الروسي بشكل واضح لسياسات أمريكا في المنطقة والعالم. والحقيقة أن هذا التحدي قد أعاق بشكل ملحوظ مشاريع أمريكا وعطل من قدرتها على التفرد بصناعة القرارات الأممية.

لقد أدت هذه التحولات إلى تصاعد الحديث عن إمكانية انبثاق نظام عالمي جديد، مختلف عن النظام الذي أعقب الحرب الكونية الثانية. وأن السنوات القليلة القادمة سوف تشهد انبثاق هذا النظام. وهو أمر بات مسلماً به من معظم المحللين السياسيين والمهتمين عالمياً، بسياسات الغرب.

لكن أسئلة ملحة، بدأت تطرح حول شكل النظام العالمي المرتقب، وكيف سيجرى الإعلان عنه. وذلك أمر بديهي، فليس هناك في التاريخ، تجربة تتماثل مع تجارب أخرى، إن في أحجامها أو أشكالها أو طريقة إخراجها. فكل تجربة إنسانية خصوصيتها، هي خليط بين امتدادها لعالم فوار ومتحرك، وكونها عالماً مستقلاً وفريداً.

النظامان العالميان السابقان، انبثقا بعملية قيصرية واضحة، وكانا نتاج حربين عالميتين مدمرتين، اندفعت في غمارهما بقوة بشكل خاص، القارة الأوروبية. وكان واضحاً، للقاصي والداني في حينه، أن ما يعقب الحرب سيكون موسم التسويات، وأن المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات والخرائط الجديدة التي يرسمها المنتصرون، هي روح النظام الدولي الجديد.

لقد رسم الكبار، بأدائهم في المعارك العسكرية صورة المشهد الجديد، وحددوا أشكال وأحجام الخرائط السياسية الجديدة. ولم يتبق عليهم بعد الحرب، سوى الجلوس على طاولة المفاوضات، ووضع تواقيعهم بعد إضافة بعض الرتوش، على الخرائط التي عمدت من قبل بالدم. وكانت نتائجها اعترافاً موقعاًً، بتوازنات القوة الجديدة، والاعتراف المتبادل بين المنتصرين، بمصالح كل طرف في المعادلة. قد جعلت تلك الظروف عملية الانبثاق للنظام الدولي الجديد، ممكنة وسهلة.

في الوضع الراهن، لدينا حالة غير مسبوقة في التاريخ، فنحن أمام قوى تتصارع ضد بعضها، بتوظيف قوى من خارجها. شهدنا حرباً كونية للإرهاب اتخذت من وطننا العربي، موطن أحصنتها. لم تكن المواجهة العسكرية مباشرة، بين القوى التي بدأ ميزان قوتها الاقتصادية يتراجع، وبين قوى اقتصادية، بات واضحاً تفوقها على الأداء الأمريكي بالسنوات الأخيرة. فالصراع الحالي، ليس بين قوى آفلة، وبين قوى مستقبلية، فمثل تلك الشروط لم تحسم بعد.

كما نشهد استعاراً في بناء القوة العسكرية، من قبل روسيا والصين، واستخدام أحدث التقنيات العلمية، بما يهدد الفرادة العسكرية للولايات المتحدة في هذا المضمار. وخلال العقود الأخيرة، دخلت على النادي النووي دول جديدة، كباكستان والهند وكوريا الشمالية.

كما نشأت منظومات اقتصادية قوية جديدة، وتكتلات سياسية كمنظومتي «البريكس» و«شنهغاي». وباتت الهند قوة اقتصادية وعسكرية ونووية يحسب حسابها، والأخيرة خارج مجلس الأمن الدولي.

واضح تماماً أن محاولات القوى الكبرى، لاستثمار الإرهاب الدولي، لتحسين مواقفها في معادلة توازنات القوة، قد باءت بالفشل الذريع، رغم ما ألحقته من خراب ودمار، في عدد من البلدان العربية. لكن ذلك لن يكون نهاية المطاف، فالانتقال من نظام دولي قديم إلى نظام دولي جديد، بحاجة إلى هزيمة القوى القديمة في ساحات الحرب. وهذا ما ليس متاحاً حتى هذه اللحظة.

سنكون أمام واقع معقد في التاريخ الإنساني، ذلك أن كل المؤشرات تشي بأن ليس بمقدور أي طرف دولي، بالمدى المنظور إلحاق الضربة القاضية بخصمه، بالمدى المنظور. إن ذلك يعني أن علينا التعايش مع هذا الواقع لفترة طويلة قادمة. وهي حقبة، إن قدر لها أن تستمر، فمعنى ذلك استمرار انتشار الفوضي، طالما أن المتخاصمين الرئيسيين، لن يدخلوا في مواجهة مباشرة مع بعضهم البعض، لأن مثل تلك المواجهة ستكون فناء مؤكداً للبشرية بأسرها. إن ذلك يعني أن البديل عن ذلك سيكون استمرار الحروب الصغيرة، وانتشار العنف والفوضى والإرهاب، والحروب الأهلية، لتكون البديل عن الحروب الكبرى.

وللأسف فإن الوطن العربي، سيبقى الساحة المثلى لتفريخ هذه الصراعات والحروب، كوننا للأسف الحلقة الأضعف. ومن لديه شك فما عليه سوى النظر بتمعن للخريطة السياسية لهذا الوطن المقهور.

لن تكون هناك ولادة قيصرية لنظام عالمي جديد، فشروط ذلك غير متحققة الآن، وسننتظر وقتاً طويلاً، لحين حدوث تغيرات جذرية في توازن القوة بين القوى القديمة، التي تزعمتها الولايات المتحدة وبين القوى الجديدة التي ستقودها الصين. وستكون الولادة عسيرة للنظام الدولي الجديد، وعلى العرب أن يقرروا هل سيواصلون القبول بأن يكونوا حطب النار المشتعلة في الولادة العسيرة لهذا النظام، أم أن الوقت حان ليكون لهم مكان يليق بهم في صناعة التاريخ؟