آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 11:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

من يعيد لي ذاكرتي

من نعم الله التي اختص بها الإنسانَ دون بقيةِ المخلوقات عقلٌ وذاكرة. تمتد صلاحيةُ ذاكرةِ البشر التي قد تختلف من شخصٍ لآخر مدى العمر، نستدعي البعيدَ منها ونحفظ القريب، ما لم يصبها عطب. ليس فقط الفرد لديه ذاكرةٌ ولكن كل تجمعٍ بشري لديه ذاكرةٌ جماعية تُسَيِّرٌ مستقبله من قوىً دافعةٍ وإحداثٍ تشكلت في الماضي. متى ما فقد الشخص ذاكرته أصبح غريباً في بيته وبين من يعرف وكذا كل مجتمعٍ يفقد ذاكرته يفقد بوصلةَ المستقبل.

أجلسُ بعض الليالي مع رجلٍ في منتصفِ السبعيناتِ من العمر ولم يستبدل ذاكرته بالآلة. أسمعه يصفُ أحداثاً وتاريخاً مَرَّ به وكأنه يومَ أمس. تاريخُ أحداثٍ تضيق بها ذاكرةُ الشخصِ العادي. انا فقدتُ ذاكرتي مع كثيرٍ من الرجالِ العربِ حين انشغلنا بالتافه من الأمور والأحداث وايكال ذاكرتنا إلى الآلة ونسينا فقرنا واقتصادنا وتاريخنا وبكل أسفٍ سحناتِ مستقبلنا، نحن نمشي في طريقٍ محفور في ذاكرة الخيبة بعينين مغمضتين.

يتسولُ في ذاكرتي أول حُبٍّ ورقمُ أولَّ هاتف وعنوانُ سكنٍ ورقم سيارة والخلخال الذي نزعته أمي من رجلي وأول بيت شعر حفظته ولونَ القطة التي جلبتها من بيتِ الجيرانِ وأعدتها بعد يومٍ خوفاً أن تكونَ جنيةً وتأتي أمها أو أبوها ويسحروني. كان اصدقائي يقرأونَ المقالةَ وأنا أحفظها وكثيراً من حصادِ الذاكرةِ قبل أن يأتيَ عليه الخريف. كنتُ متى ما خانني العقلُ أتكل على قوةِ الذاكرة. في آخر الأيامِ اعتمدتُ على الآلة التي اضطهدت ذاكرتي إلى حافةِ المنفى الأبدي.

عطبت ذاكرتي المصطنعة قبل أسبوعٍ فراودني الغم. لم أتذكر أيَّ رقم هاتفٍ اتصل به أو موعد أو مبلغَ مالٍ التزمت به. تجربةٌ لم تطل لأني اصلحتها بألف ولكن ولو ليومٍ واحد عادت لي رجولةُ الذاكرة وإنسانيتي من المنفى. تذكرتُ أني عربيٌ لا ينبغي أن تشتغلَ ذاكرتي وتنصرفَ عن عظائمِ الأمور إلى السفاسفِ اليومية التي تحقنُ الذاكرةَ الفرديةَ والجماعية بزبالةِ الأحداثِ وصورها.

ربما ضعفُ الذاكرةِ أو فقدها يبعثُ  في الفرد من أسى الماضي ما يشعل فيه نارَ وحزنَ ذكرياتِ خمرٍ مضى ولكن فقدانها أو ضعفها من الشعوب والأمم بسبب انشغالها بالصغائرِ ليس إلا كمن نزعَ اكليلَ الحياةِ ولبسَ تاجَ الموت. كلنا يتذكر أحداثاً وأحلاماً فرادى وجماعات بعضها أتى عليها سيلُ الماضى وجرفها وبعضها بهتَ نوره وبعضها ينتظرُ الربيعَ ليزهر وهذه هي الحكمةُ وناموسُ الحياة.

وسط هذه السنين وبين حقولها لا ننسى أننا بشرٌ تصابُ ذاكرتنا بثقوبٍ ويتسرب منها ما جمعته لذلك لا بد من رمي الدلوِ الى بئرِ التأملِ والتفكرِ والتذكر حيناً للتأكد من إنسانيتنا وملئها ما استطعنا من الذاكرةِ الجيدة لما سوف يأتي.

كانت في الماضي ذاكرتي لا تسوى شيئاً
اليومَ ذاكرتي تسوى ألف
من يرجعها؟ لكن من يرجعها
يرجعني طفلاً في خلخالي
عَرَّابُ النسيان يخبرني يوماً ما
تستخدمُ ذاكرتي الذكرى ضدي
سنينٌ مرت لا زالت
ذكراها تبعثُ فيَّ الشفقة
فارغةٌ إلا من أوعيةٍ خاليةٍ
قالت ذاكرتي خذ بيدي، لا تقلق!
غداً تأتي الشمسُ من المشرق...

مستشار أعلى هندسة بترول