آخر تحديث: 23 / 4 / 2018م - 11:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

حفلة عيد ميلاد محزنة جدا!

نداء آل سيف *

حضرتُ مؤخرا حفلة عيد ميلاد لطفلين توأمين، بنت وولد، احتفاء ببلوغها الخامسة من العمر، لكنني لم أستطيع إكمال الحفل، لشدة ما رأيت من مظاهر عنف لفظي وبدني، بحق الطفلين المحتفى بها، وأثناء الحفل نفسه!!، وسبب مغادرتي هو الشعور بأن مجرد بقائي هو رضا ضمني بما يجري من تعنيف قاس للطفلين البريئين.

وحتى أضع السيدات والسادة القرّاء في أجواء ما جرى. بداية كان الحفل في احدى القاعات المخصصة للاحتفالات، والتي أشيد بجمالها وقدرتها على شد انتباه الكبير قبل الصغير، للتفرج واللعب في أركانها الملونة والجذابة بحق، ما دفعني أنا نفسي لتجربة بعضها، واللعب فيها. وقد كان أول ”الغيث“ حين دخل الطفلان القاعة الأنيقة رفقة والدتهما، فأخذت علامات الدهشة والانبهار ترتسم على وجهيهما تلقائيا، فصاح الولد بكل براءة «وااااو.. المكان جميل» وإذا بالأم تنتفض وتنهره قائلة: كم مرة قلت لك بأن تتصرف كالرجال وليس كالأطفال!!

من جهتي حاولت أن أتجاهل الموقف وأدعي عدم الاستماع لتوبيخ الأم، لكني صدمت مرة أخرى، حين رأيتها تفرك أذن صغيرتها التي حاولت الاقتراب من مجموعة من البالونات الملونة المركونة جانبا، وخاطبت الأم صغيرتها موبخة: هل أنت امرأة أم طفلة! ألا تذكرين القاعدة التي علمتك إياها «الأدب واجب»! وكررت عليها القول: الأدب ماذا؟ لترد الطفلة ببراءة وقد تركت البالونات «واجب يا أمي»!! كانت هذه افتتاحية هذا الحفل!.

وقد تكررت المواقف المؤسفة خلال الحفل. على نحو كان يعاقب فيها الطفلان المحتفى بهما بين الفينة والأخرى، وأمام الجميع، بالصراخ تارة وبالضرب تارة أخرى، ولا أبالغ أن قلت ان عدد المرات التي ضربا فيها بلغت حد العشرين مرة، في حفل حضرت وقتا قصيرا منه، ولم أتحمل البقاء حتى نهايته!

في الحقيقة اجتاحتني الرغبة في أغير البطاقة التي أرفقتها مع الهدية التي احضرها للطفلين، لأكتب رسالة للأم، بدلا من عبارات التهنئة، ومفادها بأن لا داعي لكل هذه الخسائر المالية التي أنفقتها على الحفل، إذا كان هذا أسلوبك التربوي مع أطفالك! لقد كان من الأجدى إقامة حفل بسيط لوحدكما، على الأقل حتى لا يتفرج المدعوون على فنون الضرب ومختلف عبارات التأنيب والتوبيخ التي نزلت كالمطارق على رأس الطفلين، وهذا أسلوب في التربية ما أنزل الله به من سلطان!.

دعني أقول في هذا الصدد بأنني «قد» أتفهم بعض الحالات التي يمكن أن يجد المربي نفسه مجبرا على استخدام بعض الشدة حينما ينفذ صبره وتنتهي كل محاولات علاج السلوك الخطأ الصادر عن الطفل؛ لكن ما لا «ولن» استوعبه، هو ضرب الطفل بمجرد التعبير عن فرحته! بحجة أن الرجال لا يضحكون! أو نهر الطفل حين وقوعه على الأرض لأن الرجال لا يبكون! ولا أملك إلا القول: أعان الله الطفل المسكين. فلو كنت مكان طفلها لاحترت في أمري كيف أرضي هذه الأم التي لا تفقه في التربية شيئا!.

المؤسف في الأمر أنه على الرغم من أن القصة مؤسفة بكل ما فيها، إلا ان الطفلين هما من الأذكياء حقا، أقول ذلك بحكم معرفتي الوثيقة بهما، فهما يتمتعان بالكثير من المميزات الجميلة التي تجعلهما محبوبين حقا، فعلاوة على الذاكرة القوية التي تميزهما، فقد حباهما الله بموهبة لافتة جدا في الإلقاء والتقليد، كما تتمتع البنت بموهبة الرسم المتقن جدا، ولا أدري كيف لهذه الأم أن تتعامى عن كل هذه المميزات الرائعة في الطفلين، وتنظر فقط إلى ما يبتدعه خيالها من عيوب وهمية تحاسبهما عليها!

ولا أبالغ أن قلت أنني أشفق على هؤلاء الأطفال الذين ينشئون تحت سيطرة عائلة ترى في التعبير عن المشاعر ذنبا لا يغتفر، وجرما يستحق العقوبة، ففي الوقت الذي تنادي فيه أساليب التربية الحديثة بضرورة إتاحة الفرصة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم وحاجاتهم؛ نجد أن هناك امهات جاهلات قد يرين في الابتسامة منافاة الأدب!

وختاما، نصيحتي لكل أم وأب، بأن يشجعوا أطفالهم على التعبير عن مشاعرهم، وأن يحتضنوا هذه المشاعر قبل أن تتحول إلى أحد آخر قد يتعلموا منه ما لا ترضون، ولا ترموا عليهم عقدكم النفسية، ولا تقيدوا أطفالكم بمفردات وعادات تدفن شخصيتهم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم، كما يقول أمير المؤمنين على بن أبي طالب !.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 7
1
محمد
13 / 2 / 2018م - 1:39 م
احسنتي ، مقال جميل ، كلامك صحيح و محزن جداً ماجرى ومايجري على هؤلاء الأطفال الأبرياء،اهتمامنا بمجتمعنا دليل على وعينا،دمتي للمجتمع ذخراً.
2
ابو محمد
[ القطيف ]: 13 / 2 / 2018م - 1:44 م
ماشاء الله عليك استاذة نداء دائماً اختيارك للمواضيع ممتازة وذات فائدة المقال ممتاز جداً لكن حزين حسيت حالي كنت معاك وتاثرت الله يهدي الام ويغير حالها و إن شاءالله يوصلها المقال وتبداء بالتغيير للاحسن وفي سن هؤلاء الاطفال ينبغي على الاباء اللعب والتربية مع اطفالهم لا معاقبتهم ومحاسبتهم
لك اختي نداء كل الشكر على التطرق لمثل هذا الموضوع
3
حسن مشهور - كاتب صحفي
[ المملكة العربية السعودية جازان ]: 13 / 2 / 2018م - 2:11 م
الكتابة الصحفية هي أنواعية أدبية لايجيد أدواتها التعبيرية سوى من يمتلك المهنية العالية والخبرة النوعية.ولقد كانت الكاتبة وفق مالمست من خلال مطالعتي لمقالها الماتع ؛ إنها تملك تلك الأدوات المقننة للكاتبة المجيدة.
الأمر الذي جعل من الحدث المعالج عبر النص السيري كينونة ماثلة للعيان .بل وجعلني أعيش الحدث وكأنه وجودية أخرى لمنعطف من طفولتي ( المرة المستطابة ). وهو نجاح يحسب للكاتبة بحق.
شكرا للكاتبة على هذا المقال الإنساني - الاجتماعي الماتع والشكر موصول للصحيفة العامرة.
4
ابو زينب
[ القديح ]: 13 / 2 / 2018م - 2:37 م
في المجتمعات التي يدير أهلها شؤونهم بالعقل و الحكمة ؛ تكون حفلات أعياد ميلاد الأطفال بسيطة و قليلة التكلفة و يكون الهدف منها دفع الطفل لاكتساب مهارات علمية أو أخلاقية جديدة تساعده في حياته الدنيا ...

أما في المجتمعات التي نخر فيها التباهي و "الفشخرة" ؛ فتكون أعياد ميلاد الأطفال مجرد استعراض و نفاق اجتماعي لا قيمة له ؛ لمجرد أن يقال ان فلانة قد أقامت عيد ميلاد لأبنائها في الصالة "الفلانية" و بالمبلغ "الفلاني" ...
5
ام هاشم
13 / 2 / 2018م - 4:15 م
هل تتوقعي نداء ان النصيحة مجدية مع هالحالات الشبة ميؤس منها للأسف الام تعتقد انها تبني شخصية طفلتها لتكون اكثر ادبا ولكنها في الواقع تهدم الخصال الجميلة وتنسخ تربية والدتها لها لتصلقها تماما في ابنتها
6
طاهرة آل سيف
[ صفوى ]: 13 / 2 / 2018م - 11:43 م
للأسف مع انتشار التوعية في تربية الأطفال لدرجة لا يمكن أن يبرر لأيٍ كان تعامله العنيف مع أطفاله ، لكننا نجد هذه النماذج متواجدة ومتزايدة ، والأمرُّ من ذلك أنك لو أردت أن تنبهي المربين لاتجدين أي قبول ، بل ويرد عليك بذات العنف
7
اماني
[ القطيف ]: 14 / 2 / 2018م - 9:11 م
مرحبا اختي موضوع جدا محزن لو أنا مكانك لو وبخت الام وهدد بالاتصال على حقوق الانسان لخاف مجرد ذكر هذا أو الاتصال اليه وتعليمه التربية الصحيحه ومايميز الطفلين من مواهب وأذكرها بان الله أعطاها هديه ويجب الاحتفاظ به وأذكرها في الأهل محتاج الاطفال وشكرا