آخر تحديث: 19 / 9 / 2018م - 9:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

فن التغافل

عبدالله الحجي

لن تعيش بمفردك وإن عشت وعاشرت الآخرين فلن تتوافق آراؤهم ووجهات نظرهم مع آرائك ووجهات نظرك، ولن تسمع منهم فقط مايعجبك ويؤنس صدرك من الكلمات، ولن يروق لك الكثير من التصرفات والسلوكيات. كل ذلك ليس محصورا في زاوية واحدة بل أينما شرقت وغربت في منزلك مع الأبناء وبين الزوجين، بين الرئيس والمرؤوس، وفي فناء المجتمع الفسيح.

إن كنت ممن يأخذ كل كلمة وكل تصرف على محمل الجد والتدقيق والتحليل والتأويل وتكثر من العتاب واللوم وتكون لديك ردة فعل مباشرة لتنتصر لذاتك وتدافع عنها، أو تبذل قصارى جهدك لتُقوّم وتصلح كل تصرف لاترتضيه فقد ينفر منك زوجك ومن حولك، وقد تكون منبوذا في المجتمع. ولاشك بأنك ستنغص عيشتك وتضع نفسك تحت ضغط نفسي يكون له بالغ الأثر على صحتك وقد لاتنجو منه. قال الإمام علي بن أبي طالب : ”من لم يتغافل ولا يغض عن كثير من الأمور تنغصت عيشته“ وقال: ”لا حلم كالتغافل، لا عقل كالتجاهل“. وقال أحمد بن حنبل: ”تسعة أعشار العافية في التغافل“

وصفة التغافل وإن كانت مرة والكثير لايستسيغها ويصعب عليه العمل بها وينظر إليها على أنها ضعف وانهزام واستغلال إلا أن الواقع الذي نعيشه يحتم علينا توجيه البوصلة للتدرب على فن التغافل والتغابي وممارسته بحكمة كلما استدعت الحاجة. يقول وليم شكسبير: ”التدقيق في أتفه التصرفات قد يهوي بك إلى الجنون لذا تغافل مرة، وتغابى مرتين“. لن أخوض في ذكر المواقف والأمثلة لأنه بحر شاسع متلاطم الأمواج وكل شخص له تجاربه في المنزل والعمل والمجتمع التي تتطلب منه أن يرى أحيانا بعين واحدة ويغمض العين الأخرى، ويسمع وكأنه لا يسمع شيئا، ويتجاهل ويتحكم في أعصابه ويتحلى بالصبر والحلم، ويحسن الظن ويحمل على محمل الخير ويفتش عن الأعذار والمبررات ويتغافل ويتغابى.

البحث عن الكمال مستحيل ولابد من التغافل فالله جل وعلا يقول: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. ذلك نوع من أنواع التغافل ولكن مع ذلك يحتاج الإنسان أن يحافظ على كرامته ويتصرف بحكمة وفطنة وروية حسب المواقف التي يواجهها لكي نبتعد عن التعميم. فكما ورد عن رسول الله ﷺ: ”المؤمن كيس فطن“ وورد عن الإمام الصادق : ”صلاح حال التعايش والتعاشر ملء مكيال، ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل“.

وإن كان التغافل خلق كريم للتعايش والتعاشر إلا أن بعض المواقف قد لاتحتمل تكرار واستمرار التغافل إزائها وتتطلب موقفا صارما وتصرفا حكيما يتناسب معها للحد من خطورتها وتأثيرها على الفرد والمجتمع. كما أن بعض الأشخاص بطبعهم انتهازيين واستغلاليين ويتعاملون مع التغافل على أنه ضعف وغباء فيتمادون في سلوكهم وتصرفاتهم السلبية بلا مراعاة ولا احترام مما يتطلب إعادة النظر معهم في حال تكرر ذلك منهم.

يقول الشاعر أبوتمام: ليس الغبي بسيد في قومه *** لكن سيد قومه المتغابي.