آخر تحديث: 26 / 4 / 2018م - 1:45 ص  بتوقيت مكة المكرمة

معنفة أبها هل هي مفبركة

علي جعفر الشريمي صحيفة الوطن

المواطن اليوم هو الإعلامي الأول الذي ينقل الانتهاكات، فهو مجرد شاهد عيان على الأحداث وينقلها وليس طرفا في صناعتها

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية بفيديو «معنّفة أبها»، الذي وصل في ساعات معدودة إلى مرتبة الترند العالمي في «تويتر».

المغردون اختلفوا فيما بينهم على الحادثة فكانت التعليقات: هذا المقطع مفبرك والدليل أنه ثبت في التقارير الطبية أنه

لا توجد كدمات أو أضرار جسدية، وعليه يجب محاسبة المبلغة، ويقول آخرون إن هذا الصوت العالي والضجيج الذي صدر من المرأة المعنفة يثبت واقعة العنف حتى وإن كان خاليا من الأضرار الجسدية، وفئة أخرى تقول، لا يحق للمبلغة التشهير بالمعنقة في وسائل التواصل الاجتماعي وتقديمها فقط للجهات المسؤولة، ويرد آخرون بأن المقطع لن يجد اهتماما من بعض الجهات المسؤولة حتى يتحول إلى قضية رأي عام وينتشر بين الناس، والدليل أن التحرك للمعالجة جاء سريعا جدا.

في نظري هناك دائما بحث في منطقة الضحية لا في منطقة المجرم، وهذا ليس بجديد فقضايا التحرش مثلا نذهب فيها دائما للضحية وكأننا نبرر للتحرش، هذا المنطق في واقعه يقدم منطقا عاما لتبرير الجريمة في المجتمع، وإفساح المجال لهذه الثقافة يؤدي بالضرورة إلى ضياع البوصلة الأخلاقية، ومن ثم تبرير كل أنواع الأعمال غير الإنسانية. والأدهى والأمر أن بعضنا يمتلك براعة فائقة في العقل التبريري، فاستطاعوا بكل ما يمتلكونه من رصانة التبرير أن يحولوا جريمة «معنفة أبها» إلى مخالفة تصوير من قبل المبلغة!

نعم أتفهم تماما أنه من الناحية الحقوقية يعد التصوير انتهاكا لحق الخصوصية هذا في الظروف العامة والأحوال الاعتيادية والطبيعية، أما إذا كان في حالة انتهاك لكرامة الإنسان كقضية ضرب أو عنف فكل المواثيق الدولية الحقوقية تؤكد على أهمية الحق في رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، والتوثيق المرئي يعد إحدى هذه الآليات، فليس من المنطق أن شاهد عيان يرى أو يسمع إنسانا تنتهك كرامته ثم يخاف توثيق ذلك بزعم أنه انتهاك لخصوصية الآخرين!!

هذه تعتبر إسقاطات في غير محلها وغير مستساغة إنسانيا، بل هو في نظري مشارك في الانتهاك. مثل هذه القضايا موجودة في كثير من دول العالم المتقدم التي تؤكد على أمرين مهمين، أولا: حماية حرية التعبير، وثانيا: الحماية من التجاوز في التعبير، وكل التشريعات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان تؤكد على أهمية حرية التعبير وهي مقدمة على الحماية من التجاوز في التعبير، كونها حق أساسي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث تنص المادة 19 على أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية. وعليه فإن الفصل في قضايا التشهير في كثير من دول العالم ينطلق أولا من قاعدة حرية التعبير، وعلى المدعى عليه إثبات ما يخالفه، بل أكثر من ذلك عليه أن يثبت أن ما قيل فيه هو أمر مكذوب ويقصد منه الإضرار، وبالتالي هذه الواقعة - معنفة أبها - يجب معالجتها من خلال الواقعة ذاتها وليس من قام بنشر الواقعة، بمعنى أولا: افتراض صحة ما نشر، وثانيا: على المدعى عليه إثبات العكس. أخير أقول: المواطن اليوم هو الإعلامي الأول الذي ينقل الانتهاكات، فهو مجرد شاهد عيان على الأحداث وينقلها وليس طرفا في صناعتها.