آخر تحديث: 22 / 7 / 2018م - 2:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

عنف الكلمة

مفردة العنف لا تعني فقط ما نشاهده من عنف مادي منتشر في هذا العالم وبين الناس، وإنما هو أيضاً يشمل العنف المعنوي الذي يتمثل من ضمن ما يتمثل في العنف اللساني، ويتجلى من خلال استخدام الكلمات والمفردات والجمل والألفاظ التي تنطوي على السب والقذف والإهانة والكلام البذيء والجارح، وتصل إلى حد اغتيال شخصيات الآخرين، وضرب معنوياتهم بكل الطرق والوسائل الدعائية واللسانية والكتابية، واستباحة الأعراض والكرامات، وبصورة غير أخلاقية، وبعيدة عن لغة الحكمة والمنطق التي تهدف إلى التقريب بين الناس، وتضييق الهوة والخلاف والفجوة بينهم.

وإذا كان العنف المادي عمل منبوذ وسلوك مرذول، فإن العنف اللغوي والكلامي هو أيضاً كذلك، ”فعنف اللسان مكروه في اللغة، وقد نصت المعاجم على أن“ العنف ضد الرفق، وعَنف به وعليه يَعنُف عُنفا وعناَفة، وهو عنيف إذا لم يكن رفيقاً في أمره. واعتنف الأمر أخذه بعنف ”، وفي الحديث:“ إن الله تعالى يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ”، والعنف بالضم؛ الشدة والمشقة، وكلُ ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشرّ مثله“، لسان العرب مادة «عنف».

ويرى أحد المختصين أنّ العنف اللساني ”لا قيمة له، بل هو صفة منبوذة، إذ هي ليست صفة قائمة في حدّ ذاتها، ولكنها ردّ فعل غير متوازن على قول أو فعل أو ظاهرة، تجعل المتكلم يفقد السيطرة على اللغة، فيلجأ إلى جملة من الانحرافات. ويتجلى العنف اللساني في الكلام المباشر، كالإتيان بالكلمات المنبوذة في اللغة إلى الصدارة من فعل الكلام“ وما يصحب ذلك من ملامح تشمل الوجه العبوس، أو المكهرب، أو المتكبر، أو المتجبر". [1] 

إن الكلمات والجمل التي نستعملها ونستخدمها في الكلام والحديث والتخاطب، لها مفاعيلها الإيجابية، أو السلبية، مع من نتحدث معه، فنحن نشعر بالارتياح والانشراح والرضا، عندما نسمع كلمة طيبة تقال، كما أننا نشعر بالضيق والاشمئزاز والنفور والتقزز عندما نسمع الكلمات غير المؤدبة والمؤدية، كالشتائم والسباب، أو تلك الكلمات التي تنطوي على تحقير وتجريح واستخفاف، أو تحمل كلاماً بذيء وألفاظاً نابية تخدش الحياء والعفة والكرامة.

لذلك من الضروري أن نتحلى بالصبر في مثل تلك المواقف المستفزة، وأن نتحلى أيضاً بالحكمة والوعي وبعد النظر أثناء التخاطب والحوار مع الآخرين، من أجل تجنب منطق القوة، وعنف اللسان، أو استعمال الكلمات الجارحة، وأن نبادر إلى قول الكلام الحسن، والكلمة الطيبة، والتي هي كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. أما تلك الكلمة النزقة والمتهورة والنابية والبذيئة، فهي كالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض، ليس لها أصل ثابت، ولن تلبث أو تمكث في الأرض، بل سوف تتلاشى وتتبدد، لأن ليس لها جذور تعتمد عليها وتتثبت بها.

[1]  عنف لساني؛ يؤصل لمفاهيم العداوة ويبث روح الفرقة. حسناء عبد العزيز القنيعير. جريدة الرياض.