آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

أطفالنا.. فلاسفة من وراء البراءة

ليالي الفرج * جريدة القبس الكويتية

لا يزال حديث صديقتي نور ينتشي في سمعي، حينما كانت تسرد ذات مساء ربيعيّ قبل سنوات، قصة كانت هي ضمن شخصياتها الأساسية، في سنوات الطفولة.

وبطريقتها المرحة، راحت ترسم بكلماتها المشهد السردي في قصتها وأخوتها الأطفال؛ إذ حطّت فجأة أمام أنظارهم فراشة كانت تهوي نحو الأرض، وكأنّ جهاز التوازن في الفراشة تعرّض لإصابة ليست عادية.

تقول نور: الجميع يتوجه إلى نقطة الحدث، فيجدون أن جناح الفراشة يعاني من حالة تمزّق شديد.

وبتلقائية يتفاعل الجميع مع ما يشاهدونه، في جوّ تكتنفه براءة طفولية غامرة، وطريقة لرد الفعل الذي تتقاسمهم لحظاته، بين حركة صورته أنه لهو الأطفال، وواقعه حجم قيم الفضيلة التي داخلهم.

تسارع الطفلة نور وأخوتها الى جلب شريط لاصق، وتقوم هي بعملية ترميم للجناح، حينما تضع قطعة من الشريط اللاصق عليه، فيما آمال الجميع تنجح، وهم يشاهدون عودة الحركة لجناحي الفراشة؛ فتعود إلى الطيران، كما لو أن شيئاً لم يكن!

هذه القصة مثال رائع لحجم الجمال، الذي يمتلكه الأطفال في طبائعهم وعمق سجاياهم؛ فالفراشة لم تتعرض لأي أذى منهم. هؤلاء الأطفال عرفوا جمال وقيمة الفراشة، فتعاملوا معها بكل لطف ورفق ورحمة، وأعادوها إلى فضاء الحرية. وتميل إلى تأكيد هذه الروح من الجمال لدى الطفل، شخصية مثل ألبرت آينشتاين، في مقولته: «إن السعي نحو الحقيقة والجمال، هو عالم من النشاط الذي يُسمح لنا خلاله أن نبقى أطفالاً طوال حياتنا».

وهذا يأخذ طرف الحديث جهة توفر التفكير النقدي لدى الطفل، وعلاقة ذلك بمنهجية التعليم، التي تعزز من روح التفكير النقدي عند الطفل، وتؤهل قدراته في إثارة التساؤلات، وامتلاك الردود المنطقية، وصياغة التبريرات، حين تهيئة البيئة التعليمية التي يقوم فيها المعلم والمربي الخبير بدور الميسّر لما بات يعرف بمقررات الفلسفة للأطفال P4C، Philosophy for Children، الذي يعنى بتنمية حس التفكير النقدي لديهم، وعدم اللجوء إلى مقررات تتبنى التلقين المستمر. وإدخال مصطلح الفلسفة هنا في علاقة مع الطفل لا يعني تعليمه تاريخ الفلسفة، فذلك غير يسير لهذا الفئة العمرية، وإنما المقصود هو توفير قدرة التحليل والتبرير والنقاش لدى الطفل، وتنمية مهاراته في صياغة الأسئلة والتواصل الإيجابي مع الآخرين، فينصت لهم، كما ينصتون له، ويحاورهم كما يحاورونه بمهارة إبداعية قادرة على إنتاج الفوائد ورفد المعارف في المجتمع الإنساني.

ولأنّ الإشارة إلى دور البروفيسور الأميركي، ماثيو ليبمان في تأسيسه، قبل نحو أربعين عاماً، لهذه المنهجية P4C ليست جديدة على القارئ، يبقى انتشار هذا التوجه في نحو ستين بلداً في العالم، ومعظمها من البلدان التي تتفوق في مجال تطوير وتنمية التعليم وتوسيع مناهجه وطرق التفاعل مع ذلك، عبر توظيف وتنمية التفكير الناقد، بحاجة إلى استلهام هذه التجارب، واستثمار ذلك في بيئتنا التعليمية، سواء للأطفال أو الشباب، وفق صياغة تناسب التحولات الحياتية الشاملة. والطفل مكتنز يصوغ أسئلته اليوم ويبني غده عبر إجابات أكثر عمقاً، إن كان السعي إلى ذلك متكاملاً في جميع عناصره.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.