آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 7:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

ستيفن هوكينج ومواقفه الإنسانية

علي جعفر الشريمي صحيفة الوطن

قبل شهرين رحل العالم «ستيفن هوكينج». في الحقيقة لا أعلم إن كان هناك كلام ثمين يمكن أن يقال الآن عن هذا الإنسان الفذّ، هو رجل تعددت مناقبه ومزاياه لربما الحديث عن إنسانيته أو تحديه لبشريته هو الأوقع في النفس.

قبل أيام، كنت أتابع الفيلم «نظرية كل شيء» الذي عاد من جديد إلى الواجهة بعد 4 سنوات من عرضه، بوصفه وثيقة فنية عن شخصية شغوفة بالعلم والمعرفة.

الفيلم يستعرض محطات من حياة الفيزيائي هوكينج، والمستوحى من مذكرات زوجته جين وايلد، والتي حملت عنوان «السفر إلى اللانهاية: حياتي مع ستيفن»، ويصور طريقة تعايشه مع مرض «العصبون الحركي» الذي أصيب به عندما كان في العشرينات، وتنبأ الأطباء آنذاك بموته في غضون عامين، لكنه قاوم المرض طويلا حتى توفي وقد بلغ عمره 75 عاما.

عندما نشر كتابه الفيزيائي الأكثر شهرة «التاريخ الموجز للزمن» سنة 1988، كان المرض أقعده نهائيا، وعطل قدرته على الكتابة حتى توقف جسمه نهائيا عن الأداء، ولم يبق فيه إلا العقل.

قامت حينها إحدى الشركات العالمية بتصميم تطبيق خاص له يصل كرسيه المتحرك من خلال شريحة في رأسه، كي يتمكن من التخاطب الرقمي مع الآخرين عبر حركة عينيه ورأسه. 54 عاما قضاها على الكرسي، مؤمنا بالكفاح العلمي والمعرفي، ولم يلبث حتى تحرك إلى درجة أعلى وأسمى من الكفاح العلمي، إلى تقديس الحرية والمساواة وتكريس الحياة للمبدأ وللنضال الحر، فكان متسقا مع الحس الإنساني العام، الذي كان يراه لعالم يدمر نفسه بنفسه، لذا كان داعما للمساواة بين البشر كمدخل للاستقرار العالمي.

فكان معارضا لتغيير المناخ، ومطالبا بالرعاية الصحية للجميع، ومناصرا لنزع الأسلحة النووية، ومعارضا لغزو العراق في 2003، وداعما للحملة الأكاديمية لمقاطعة إسرائيل «B. D. S». رفض دعوة لإلقاء خطاب خلال ندوة برعاية شمعون بيريز، احتفالاً بعيد ميلاده التسعين، ورفض جائزة علمية إسرائيلية.

وانطلاقا من حسه الإنساني أيضا، انحاز إلى الفقراء وإلى القضايا العادلة، منها القضية الفلسطينية. وفي موقف مليء بالعنصرية المقيتة تأخذ إسرائيل على هوكينج موقفه الإنساني، ويقولون إنه نسي فضلها عليه، فبواسطة التكنولوجيا الرقمية التي أنتجتها إسرائيل استطاع التواصل مع العالم، مع أن مبتكر التكنولوجيا أميركي وليس إسرائيليا، ولكن لنفرض أنهم هم من ابتكروا الأداة هل كان على هوكينج أن يقف إلى جانب العنصرية لأنه عبقري؟

اللافت، أنه في نهاية الفيلم رفض لقب «سير» الذي تمنحه ملكة بريطانيا للمتفوقين في العلوم والرياضة والموسيقى، احتجاجا على النقص الكبير في تمويل الأبحاث العلمية في بريطانيا، إذ كان دائما ما يطالب بتمويل القطاع الصحي المجاني وعدم تخصيصه.

ويقول «لولا العناية الطبية المجانية التي تلقيتها لمت من زمن طويل».

كتب هوكينج رسالة في 2014 «ليس من الذكاء في شيء أن نشاهد مقتل أكثر من 100 ألف شخص أو استهداف الأطفال، بل يبدو الأمر غباءً محضا، وحتى أسوأ من ذلك، عندما تُمنع الإمدادات الإنسانية من الوصول إلى العيادات الطبية، وعندما تُبتر أطراف أطفال بسبب الافتقار إلى معدات وأدوات طبية أساسية، ويموت رضّع حديثو الولادة في الحاضنات بسبب انقطاع الكهرباء».

رحل ستيفين هوكنج، وقضى أكثر من نصف قرن في الإنتاج العلمي، ولكنّ بريقه لن يخبو علميا وإنسانيا.