آخر تحديث: 23 / 9 / 2018م - 6:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

بعلي نستضيء

وديع آل حمّاد

ثمة تساؤلات كانت في جعبتي من خلال قراءتي لكتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين ومولى الموحدين وسيد البلغاء والفصحاء الإمام علي ، ولكن سأكتفي بتساؤلين في هذه الورقة. التساؤل الأول: هل نحن بحاجة إلى قراءة كتاب نهج البلاغة وخطب أمير المؤمنين ووصاياه وحكمه وسائر أقواله قراءة تأمل وتحقيق وتدقيق، للاستفادة من مرتكزاته ومبادئه واعتباره دستور حياة، يضيء لنا الدروب وينير العقول ويصقلها، ويشحذ الهمم، ويعيدنا إلى إنسانيتنا الحقة المرتكزة على المبادئ والقيم؟ عندما نتأمل قليلا في ملامح هذا العصر؛ سنجد أبرزها وضوحاً وأكثرها فقاعة، هي تلوث الإنسانية بسموم المادية، وتحجر المشاعر الإنسانية وتبلد الأحسايس، وتحطم القيم النبيلة والمبادئ الرفيعة والمثل والأخلاق السامية على صخرة العولمة والرأسمالية الكونية، حتى باتت الإنسانية تتجرع الغصص، وتحاصرها الأزمات التي تلوح من كل مكان وفي كل زمان، ويفترسها الجهل والفقر والعوز والظلم والفساد بأنيابهم، مما يجعلها بحاجة ماسة إلى خارطة طريق ترسم لها درب الخلاص من هذا الألم ويرفع عن كاهلها البؤس والشقاء ويعيد إليها البسمة ويحفزها على التطلع إلى الأمام واستشراف المستقبل. نعم من يقرأ كتاب نهج البلاغة بتجرد وموضوعية، سيجد نفسه أمام خارطة طريق، يستطيع أن يتكئ عليها الحقوقي والقانوني والسياسي والاقتصادي والأخلاقي والمهتم بشؤون الأسرة والاجتماع ونحو ذلك.

لا غرو إذا قلنا بأن هذه الخريطة ملبية لطوح وتطلعات الإنسانية رغم مرور ألف وأربعمائة سنة على رسمها. وفي نفس الوقت لن تنتابني الغرابة ما دمت متيقناً بأن راسمها إنسان استثنائي في إنسانيته وعطائه وإخلاصه، إنسان تنفجر في دواخله ينابيع الإنسانية، يعيش هموم الناس وآمالهم وألامهم، في حناياه عطف الأب الرؤوف الشفيق على أبنائه، ذو نظرة ثاقبة، بها يقرأ الواقع ويستشرف المستقبل، ويبني الهيكل المعرفي والفكري والعقدي والثقافي الذي تحتاجه الإنسانية قاطبة. ومن جميع هذه المقومات التي امتلكتها هذه الشخصية القائدة الموجهة صارت قراءتها للأمور مختلفة في توهجها وبزوغ نجمها ونوعيتها وتأثيرها.

التساؤل الثاني: هل بإمكاننا التفكيك في خطب أمير المؤمنين بين مضمون الخطاب واللغة، وبصياغة أخرى بين جوهر الذات المتمثل في محتوى الخطاب واللغة كأمر عارض على الذات؟

فصاحة وبلاغة أمير المؤمنين تجبر كل مهتم بالشؤون اللغوية والدلالية والنقدية مهما علا شأنه وقدره وارتفعت مكانته إلا أن يقف منبهراً منقاداً لما يروم إليه أمير المؤمنين. وفي نفس الوقت عاجز بأدواته اللغوية والنقدية والدلالية مهما كانت فاعلة ودقيقة أن يبرز الفارق بين الظرف والمظروف والشكل والمضمون والمحتوى والصورة والعارض والجوهر؛ حيث لا يرى في هذه الثنائيات إلا أمراً واحداً، وذلك نتيجة اندكاك المعنى كجوهر في اللفظ العارض على المعنى. ولكن لو عرضت عليه نماذج أخرى غير كلام أمير المؤمنين ليستخدم مشارطه ومباضعه النقدية لبات جراحاً ماهراً في استخدام مشارطه الدقيقة وأدواته فلم تسلم تلك الثنائيات من التفكيك «المضمون والشكل» ولأبان التفاوت بينهما.

فهنا نتساءل: لماذا وقف الناقد عاجزاً عن بيان التفاوت بين المضمون والشكل في كلام أمير المؤمنين ولم يقف عاجزاً عن ذلك في نماذج أخرى؟

نستطيع الإجابة على ذلك من خلال المرتكزين الفلسفيين التاليين: 1 _ العرض لا يخلق التعين للذات بل يجليه ويبرزه. 2 _ العرض لا تنبع من الذات بل تطرأ عليه. عندما نعود لأي نص لغوي سنجد بأن اللغة كأمر طارئ على المعنى تقوم بدور وظيفي؛ وهو تجلية وإبراز الذات ألا وهو المعنى؛ أي بمعنى أخر أن اللغة القشر الظاهر الذي يخفي من وراءه اللب وهو المضمون والمعنى.

والتمايز بين العرض والذات يلمسه الناقد بكل وضوح في مختلف النصوص اللغوية _ ولكن بنسب متفاوتة من نص لأخر _ رغم بذل الأديب قصارى جهوده لتشكيل ارتباط وثيق بين ثنائية الشكل والمضمون ليبدوان وحدة واحدة على تمام الانسجام والوئام والتجانس لا انفصام بينهما. أما إذا رجعنا لأي نص يعود لأمير المؤمنين فسنجد أنفسنا أمام نص لا يرقى إليه نص بشري، إذ سنرى انصهار الذات «المعنى» والعرض «الشكل واللغة» في بوتقة واحدة، كأنهما أمر واحد، ونفوذ العرض إلى أعماق الذات لتشكل وحدة واحدة منسجمة غير قابلة للإنفصام. وفي الأخير نطرح تساؤلاً فكرياً له علاقة فيما نتناوله في هذا الصدد، وهو:

هل بالإمكان أن نزيل الأعراض المتمثلة في الشكل واللغة من كلام أمير المؤمنين باعتبار أنها حجب تمنع وأستار تمنع من الوصول إلى الذات واللب والمضمون كما يتصوره الدكتور سروش؟ القدرة البلاغية الفائقة التي تمتع بها سيد الخطباء بنفخه الروح والذات والمعنى في الشكل واللغة بحيث دمجهما اندماجاً لا يشعر به المستمع أو القارئ ولا يستطيع أن يميز بينهما، وهذا الاندماج يجعل المندغمين ليس بإمكان أحدهما أن يعيش في فضاء بمعزل عن الأخر. وبالتالي لغة نصوص أمير المؤمنين ما هي إلا تجلية للمعنى الذي يقصده أمير المؤمنين وليس كما يتصوره سروش بأن اللغة تحجب من الوصول إلى اللب أو الذات.

هذا هو علي بفكره النير الخلاق ينير الدروب ويوسع آفاق المعرفة.