آخر تحديث: 18 / 7 / 2018م - 11:38 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قبس من نور الإمام الصادق (ع)

لما سئل الإمام الصادق: من أكرم الخلق على الله؟

قال : أكثرهم ذكرا لله وأعملهم بطاعته» «بحار الأنوار ج 93 ص 164».

ذكر الله تعالى ليس مجرد تلفظ اللسان بكلمات لا يفقهها قلبه ولا يستشعر عظمتها ووقعها في وجدانه، فذكر الله تعالى ليس بشيء في أثره ونتائجه إن لم يخفق له الفؤاد ولم تعش النفس بضيائه، ولم يكن مصحوبا بالتضرع والتذلل والخوف من الله تعالى، بل قد تكون تلك الصورة الانفصامية ما بين لسان ذاكر وقلب مظلم لا يتصل بها بأي شكل نوعا من سوء الأدب مع الله تعالى، إذ أن العبث أثناء الحديث والحوار مع أي شخص لا يمكن قبوله ويعد نوعا من قلة الأدب والحياء، فكيف بمن يناجي الجبار القاهر وقلبه معرض ساه؟

إنما الذكر الحقيقي يكون بالتوجه إلى الله تعالى بالتذلل والضراعة، وبالخشية والتقوى، وهو استحضار جلال الله تعالى وعظمته، واستحضار المخافة لغضبه وعقابه، واستحضار رجاء رفده والالتجاء إليه، حتى يصفو الجوهر الروحي للإنسان ويتصل بمصدره اللدني، ويستنير بومضه وتوجيهه ليجعل خطاه تسير وفق مضامينه.

ذكر الله بالقلب يكون مؤثرا إذا سلك بصاحبه طريقا يخجل من اطلاع الله تعالى عليه، ولا يأتي صغيرة ولا كبيرة إلا ويراعي فيها رضا الله تعالى، وإلا فما فائدة ذكر لا يتجاوز الشفتين ولا يؤثر نتيجة تحث على طاعة الله تعالى أو النهي عن خطوة تحيق به سخطه وترديه في سوء عاقبة جنايته.

افتقاد عظمة الله من قلب العبد لابد من مراجعة أسبابها المؤدية إليه، فالغفلة والبعد عن الله تعالى أهم أسبابها الوقوع في المعاصي، مما يشكل حاجزا ومانعا من اليقظة الروحية والحساسية تجاه اقتراف المعصية، والجفاف الروحي ناشئ من الانشغال عن رفد الفكر والفؤاد بنور القرآن الكريم وقراءة الأدعية، فيكون قلبه أرضا بلقعا لا ثمر فيها.

أوقات الدعاء التي يناجي فيها ربه وينفتح على تلك المعاني والقيم الواردة فيها، تمثل مراحل تغيير في جوهره وإخراجه من ظلمات الشهوات إلى نور اليقظة وغلبة العقل، وهذا ما يستوجب منه أن يكون صاحب إرادة قوية وهمة عالية لتغيير واقعه، واضعا نصب عينيه حقيقة الأثر السيء الذي تحدثه الذنوب فتحرمه من الفيض الرحماني المتمثل بلذة المناجاة، فإن الأنس بذكره والطمأنينة بوعده تصاغر الدنيا وما فيها وتجلي همومه وأحزانه، وتحثه على العمل لآخرته والاستعداد للقاء ربه والمجازاة على أعماله.

يظهر العبد في ذكره الحاجة والافتقار إلى مولاه معترفا بعجزه وضعفه، إنه يتوجه إلى خالقه بنفس منكسرة قد أتعبتها حالة الجهل والجحود، فمد يده لتتلقفها نظرة رحمة وحنان من أرأف وأرحم الراحمين، يتطلع إلى قبول توبته النصوح مغيرا من واقعه السيء، فتلك النفس المتمردة والمتجرأة على ارتكاب المعاصي واللهث وراء الشهوات قد امتحت، قد هزها بعمق الخوف من الله وتريد أن تدخل إلى عالم جديد، عالم الطهارة والنقاء والراحة النفسية بالقرب من المحبوب.