آخر تحديث: 23 / 9 / 2018م - 6:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

بذورٌ جنبَ الطريق

بعد أربعينَ سنةٍ من العملِ بقيتْ لي ذكرى أفتخرُ بها عمَّا كان عليه حالُ المجتمعِ في القطيفِ وكيف كانَ من في الخارجِ ينظر لذاك التمايز. سوف أسردُ لك طرفتين ولك أن تحكمَ إن كانت هذه الطِيبةُ والألقُ مثل حباتِ البذورِ التي تسقطُ من الركبانِ والقوافل على جنباتِ الطريق، لا تموتُ وتبقى حتى يأتيَ المطرُ ثم تخضر وتُزهر من جديد، أم أنَّ التقوقعَ كان عاملاٍ إيجابياً في الحفاظِ على ميزاتِ مجتمعٍ صغيرٍ كانت له خصوصياته ومن ثم زالت بعد الشيخوخةِ والانفتاح. هذا التميز والتمايز لا يعني الوصولَ إلى نتيجةٍ تفيدُ أنَّ غيرهم تنقصه المزايا الإيجابية أو التفرد لكنني ولدتُ في هذا المكان وعرفت عن أهله مالم أعرفه عن المجتمعاتِ الأخرى:

بنيتُ بيتي عام 1986م، وقتها ولا يزال الكثير مما يحتاجه المشتري لا يوجد في القطيف وضواحيها. كنتُ أقصدُ مدينةَ الدمامِ والخبر لشراءِ ما أحتاج بالنقدِ أو بالتحصيلِ من البنكِ عن طريقِ مستندٍ ورقي ”شيك“. سمعتُ كثيراً من المجاملاتِ من التجارِ أنهم لا يمانعونَ أن يبايعوا أهلَ القطيفِ بالدَيْنِ وإلَّمْ يعرفونهم لأنهم واثقونَ من الأمانةِ والأداء. كان ذلك مصدرَ اعتزازٍ وكنت أشكرهم على تلكَ الثقةِ والشعورِ الطيب.

كذلك من خلالِ عملي مع  شركةِ أرامكو في صناعةِ البترول ومتطلباته التقيتُ وعملتُ مع العديدِ من مدراءِ الشركاتِ المحليةِ والإقليمية والعالمية وكانوا يثنونَ على سلوكِ وأداءِ من يعمل لديهم من منطقةِ القطيف. كانوا يصبرونَ على صعوبةِ العملِ ويتميزونَ بالانتظامِ والاستقرارِ والأداءِ المرتفع مما يشجع الشركات للبحثِ عنهم وتوظيفهم. لم تكن تلك المهنُ سهلةً وكانت تستدعي الغيابَ الطويل عن الأسرةِ والوطنْ وتحمل من المخاطرِ قدراً لا يستهان به.

كبر المجتمعُ وتضاعف عدد أفراده وظهرت تحدياتُ الاختلاطِ بالغير التي تحمل في جنباتها الجيدَ والسيء. لم تعد القطيفُ محاطةً بأسوارٍ تحميها من الخارجِ ولم يعد الوصول إلى جزيرةِ تاروت يستدعي الإنتظارَ حتى انحسارِ البحر ليقطعه فقط من من يملك الحمار ولم تعد الرحلة إلى مدينةِ صفوى تستحق أن يحكيها الجَدُّ لأحفاده وأصبحت القطيفُ حاضرةً يأتي اليها الناسُ من الخارج ويذهب أهلها الى خارجها. ربما ليس هناك إجابةٌ علميةٌ مقنعةٌ عن طريقِ إحصائياتٍ يمكن الاعتماد عليها في الجدلِ سلباً أو إيجاباً ولكنْ من الواضحِ أنَّ بقعَ الضوءِ التي كانت موجودةً لم تزل وإن شابها ما يشوبُ كُلَّ ظاهرةٍ اجتماعية جيدة إذا لم تحصل على الرعايةِ والإعتناء.

أخبروا أبناءكم بتلك الطرفِ والحكايات عن الألقِ في كُلِّ المجالاتِ من الطبِّ والهندسةِ والأدبِ والفن والحرفِ اليدوية بنينَ وبنات، لن تضرهم بل ربما كانت حافزاً جيداً لهم للحفاظِ على ما بناهُ من سبقهم من طِيب الصِيت ويفخرون عندما يكتبون في سيرهم الذاتية في خانةِ مكانِ الولادة: القطيف

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
طاهرة آل سيف
14 / 9 / 2018م - 8:31 ص
كانت جدتي تصطحبني معها قبل الأعياد إلى سوق مياس وكم كان مشوار مميز ننتظره بصبر ، إشارة لطيفة (ولم تعد الرحلة إلى مدينةِ صفوى تستحق أن يحكيها الجَدُّ لأحفاده ) ، حيث بعد المدينتين خلقت نظرة متبادلة في البعد ..

في جامعة الملك سعود في الرياض حظيت فتيات القطيف بهالة مميزة عند الأساتذة لتميزهن الدراسي وانضباطهن ، سأخبر أبنائي عن تلك الطرف .
مستشار أعلى هندسة بترول