آخر تحديث: 16 / 11 / 2018م - 11:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

يا سهر بتشرين

محمد العلي * صحيفة اليوم

هكذا وصفت فيروز «قمر الحلوين» وتركتنا على أجنحة الخيال، نتقرى الدلالة مترامية الأطراف لهذه الكلمة الجمرة «سهر» التي جعلت الشعراء يهرعون إليها «زرافات ووحدانا» هذا يدعي أنه: ارتشفها ارتشافة ثغر ليلاه، مرددا قول الشريف الرضي:

بتنا ضجيعين فى ثوبي هوى وتقى

يلفنا الشوق من قرن إلى قدم

وذاك يقسم على أنه سهر يعد النجوم، أما الثالث، فيئن أنينا ثاكلا، ويقول:

هاهو السهر المر يأتي ويشعل قنديله

هل أعيد رسائل حبي إلى حبرها؟

فكرت، بطول طريق المتنبي، فى قول الشاعر اللبناني:

يقصف عمرك يا تشرين

ما عندك ذمة ولا دين

بتعري أغصان الأشجار

وبتغطي زنود الحلوين

الشاعر هذا لم يكن من الساهرين، ولكنه غاضب للطبيعة التي عراها تشرين من زينتها الشجرية، وغاضب للبشر، وهو يرى «ذراعا تضرب فى الشجرات بغير ذراع» كما يقول أحمد عبدالمعطي حجازي. لقد غطى تشرين زنود الجميلات القمرية، فدخلت الشوارع فى الوحشة المرتجفة.

ماذا يعني هذا التضاد فى النظر إلى تشرين؟ إنه يقول لنا:

إن كل شيء، قبل الحكم عليه، وقبل القناعة به، لا بد من النظر إليه من جميع زواياه.. لا من زاية واحدة؛ فنكون مثل عميان الفيل الذين وصفهم أبو حيان.

ثقافة «إما وإما» أو كما يقول القدماء: «الثالث المرفوع» هي المسيطرة على ثقافتنا، وما شابهها.. نعم. نحن المصابين بورم أبي فراس، أو نرجسيته «لنا الصدر دون العالمين أو القبر» ننظر إلى أي شيء من زاوية واحدة؛ وهذا هو السبب فى سباتنا فى كل الفصول.

ارتباط الناس بالزمن، أياما وشهورا وأجيالا.. يختلف اختلافا تناقضيا؛ فنحن - أبناء الخليج - لا يستقر فى ذاكرتنا إلا الصيف والشتاء، أما البيئات الأخرى، فكل الفصول تلقاها سافرة ضاحكة. أما الربيع، فقد وقف عليه شعرنا طويلا منذ أبي أبي تمام.

كاتب وأديب