آخر تحديث: 16 / 11 / 2018م - 11:21 م  بتوقيت مكة المكرمة

حول التصحر ومشاريع الوحدة

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي، وإثر تراجع المشروع النهضوي العربي، الذي بدا واضحاً، بعد نكسة الخامس من يونيو/حزيران 1967، بدأت التنظيرات لتفسير أسباب هذا التراجع، وصدرت عشرات الكتب ومئات المقالات، لقراءة وتحليل أسباب نكوص المشاريع القومية.

صدرت دراسات علمية عميقة يعتدّ بها، تناولت بالتفكيك والتحليل انتكاسة مشروع النهضة، ووضعتها في سياق تاريخي وموضوعي صحيحين. وتناولت تلك الدراسات أسباب انتكاسة مشروع العمل القومي، من منظور سياسي واجتماعي واقتصادي وسوسيولوجي.

وبالمقابل، صدرت دراسات حملت أطروحات أخرى لتعليل تراجع المشروع الوحدوي القومي العربي اتسمت بالتبسيط والسطحية. بين تلك القراءات، من أرجع فشل المشروع الوحدوي العربي، إلى تعدد الانتماءات الدينية والطائفية والقومية، واعتبر التشكيل الفسيفسائي للبلدان العربية، عائقاً دون تحقيق الوحدة العربية. وهناك أيضاً، من أرجع غياب التواصل بين البلدان العربية، إلى كثرة الصحاري والأراضي القاحلة التي تمنع التواصل الجغرافي العربي.

لقد خلق الانقطاع في الجغرافيا، وانتشار الصحاري والبوادي، سدوداً قوية تحول دون اندماج البلدان العربية في دولة واحدة. وقيلت في هذا السياق، أسباب أخرى لا تستحق الوقوف عندها طويلاً، كالنفسية الانطوائية للعربي التي ترفض الاندماج، والموروثات الدينية التي قيل إنها تحض على الكراهية وترفض ثقافة التسامح.

نقتصر في هذا الحديث، على مناقشة أطروحة التصحر؛ هذه الأطروحة للأسف وجدت من يتلقفها ويدافع عنها، وبرز أشخاص اعتُبِروا ضمن قائمة المفكرين العرب، كتبوا فيها ودافعوا عنها.

يتناسى هذا الطرح، قيام إمبراطوريات كبرى منذ القدم وعلى مر التاريخ، شملت قارات عديدة، وعبرت صحاري وبراري على ظهور الخيول والجمال، ونشأت حضارات كبرى أيضاً في مثل تلك الظروف، من ضمنها الحضارة العربية الإسلامية، التي طرقت أبواب الصين شرقاً، وبلغت إسبانيا غرباً، وضمت أمماً وأعراقاً ولغات وأدياناً ومذاهب. ولم تَحُل هذه الأسباب دون قيام هذه الإمبراطوريات التي استمرت قروناً عديدة.

وإذا ما ركزنا على واقع تاريخ العرب، وبدأنا من نقطة البداية في تشكل حضارتهم، تحضر لنا حروب الردة التي أخذت مكانها، في مناطق متناثرة من جزيرة العرب، وعبرت بوادي وصحاري، وشهدت وقفات تعبوية وتحالفات قبلية.

وإذا ما انتقلنا إلى موضوع التفاعل والتواصل الحضاري بين أفراد الأمة على امتداد جغرافيتها الواسعة والممتدة، نجد أنفسنا أمام أمور مبهرة. ولعل معظمنا قرأ عن السجال الذين دار بين الغزالي، في بلاد فارس التي كانت جزءاً من الإمبراطورية العربية، في كتابه الشهير «تهافت الفلاسفة»، والرد على هذا الكتاب من قبل ابن رشد، في أقصى الغرب، من جغرافية الأمة، وكيف انتشر هذا السجال، وعم مختلف أجزاء البلدان العربية والإسلامية.

ولا يزال الكتابان مُحرِّكين لسجالات وأطروحات وكتب كثيرة، صدرت ولا تزال تصدر بشأنهما حتى يومنا هذا.

وحين ننتقل من باب الفكر والفلسفة إلى شؤون الأدب، فمَنْ من العرب لم يطرب للموشحات الأندلسية، ولأدب ابن هانئ وابن زيدون. لقد مثل هذا الأدب الرفيع نبض تاريخنا العريق، ونقلنا بإيقاعاته الأخاذة والجميلة إلى مستوى أرقى، وبقي خالداً حتى هذا اليوم، مصدر بهجة وفرح، ومتعة لآذاننا، تصدح به فيروز، مطربة الأرز والعرب كل صباح.

وإذا ما انتقلنا إلى العصر الحديث، باعتبار موضوع تراجع المشروع النهضوي العربي، ينتمي لهذا العصر، فإن الدول الكبرى، ومن ضمنها روسيا والولايات المتحدة والصين، تحتوي صحاري كبرى، لا تقل سعة عن صحاري الوطن العربي، لم تمنع وحدتها، ولا تفاعل بشرها مع بعضهم بعضاً.

نذكر في هذا السياق، صحاري نيفادا وأريزونا ويوتا، في الولايات المتحدة الأمريكية، وصحراء التبت في الصين، والمناطق الجليدية الواسعة في روسيا. ولم تشكل هذه المناطق، مانعاً حقيقياً، يحول دون وحدة هذه البلدان الكبرى.

قراءة أسباب انتكاسة مشاريع النهضة، أمر جوهري وملحّ، لخروج الأمة من النفق الراهن. ولكن ذلك ينبغي أن يتم وفق سياقات تاريخية، لا تغيّب حقيقة أن هذه الأمة سبق لها أن حققت وحدتها، في ظروف تاريخية مختلفة. كما ينبغي أن تأخذ في الحسبان دائماً طبيعة الهجمة الخارجية على الأمة التي استمرت طويلاً منذ سقوط بغداد، واستمراراً لهيمنة الاستبداد العثماني، الذي جثم على صدر هذه الأمة قروناً طويلة، وتسبب في تعطل مسيرتها ونهضتها.

وتواصل ذلك بالهجمة الغربية التي شملت معظم بلدان الوطن العربي، وكان وعد بلفور المشؤوم 1917، هو أحد تجليات تلك الهجمة.

لقد أعاقت هذه الهجمات التطور الطبيعي للبنيان الاجتماعي للأمة، وكرست ضعفاً كبيراً في التشكيلات الاجتماعية، كما كرست شبكة العلاقات القديمة، ولن يكون بالمقدور الحديث عن مشروع نهضوي حقيقي يأخذ مكانه في الواقع العربي، إلا بتجاوز هذه التشكيلات، وإعادة الاعتبار لمشروع التنمية والحداثة اللازمين لأي مشروع نهضوي حقيقي.