آخر تحديث: 16 / 11 / 2018م - 3:25 م  بتوقيت مكة المكرمة

النهضة العربية ومسألة الإخفاق «1 2»

عبد الله العليان *

لا يزال السؤال المتعلق بقضية النهضة العربية قائماً وملحًّا، منذ قيام المصلحين بمحاولة الخروج من مأزق التخلف الذي عاشته الأمة لقرون مضت، وهذه المحاولات بدأتْ منذ أكثر من قرن مضى، والبعض يقدر ذلك بعدة قرون. وأنَّ هذه الجهود التي حاول من خلالها بعض المصلحين العرب والمسلمين الإسهام في النهضة العربية، لم تُحقق نجاحاً مأمولا لأسباب عديدة؛ منها: غياب الفكرة الواعية التي تتلَّمس الأسباب والطرق للخروج من الواقع العربي، لكي يفتح المجال لحراك نهضوي يجعلها تنفض الغبار عن هذا الجمود الذي أخَّرها كثيرا عن ركب التقدم الذي سبقت فيه دول أوروبا وغيرها من أمم الأرض.

وكتب الكثيرون عن قضية النهضة، أو الترقي، أو اليقظة، أو غيرها من المصطلحات التي تستهدفُ إيقاظها من سباتها الذي عاشته لعقود مضت، لكن كل هذه المحاولات لم تستطع تحقيق الهدف الذي تنشده للخروج من هذا الإخفاق.

ومن المؤلفات الصادرة حديثاً وأسهمت وناقشت قضية الإخفاق في النهضة العربية: كتاب المفكر السعودي زكي الميلاد ”عصر النهضة كيف انبثق؟ ولماذا أخفق؟“، ويرى الميلاد في مقدمة هذا الكتاب أنَّ عصر النهضة الذي بدأ حركة الإصلاح في واقع الأمة، منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، يعد من العصور المهمة، من حيث الكتابات والدراسات التي تناولت تخلّف الأمة وتراجعها، كما أنه ”يمثل عصراً من أجود العصور الحديثة، خطاباً ورجالاً، أدباً وحركة، ويكفي دلالة على ذلك الوصف اللامع أو الأوصاف اللامعة التي اكتسبها وعرف بها، وهي أوصاف النهضة واليقظة والإصلاح، إلى جانب أوصاف الإحياء والتجديد والتنوير، فهي الأوصاف التي ما زلنا نبحث عنها، ونفكر فيها، وهي شغلنا الشاغل، وهمنا الأكبر في وقتنا الحاضر“. ويؤكد الميلاد في هذه المقدمة أنا تراجعنا كثيرا جداً عن فكر النهضويين ورؤيتهم الثاقبة لما آلت إليه الأمة، منذ النصف الثاني من القرن التاسع وما بعده، من حيث الرؤية للإصلاح والعقلية التي انتقلت إليه، لهذا فان رجالات ذلك العصر كانوا أكثر وعياً ودراية في رؤيتهم للإصلاح؛ لذلك نرى ”كم أننا بعدنا ونبتعد عن عصر النهضة وقيمه ومبادئه المدنية والحضارية، وكم هي المسافات الطويلة التي باتت تفصلنا عنه، عصراً وكأنه ليس في ذاكرتنا، ولا تربطه صلة بتاريخنا، ولاعلاقة له بحاضرنا، عصراً وكأننا نجهله ولا نعرفه، فقد انقلبنا عليه، وخرجنا عن مساره، وانحرفنا عن بوصلته“

وفي الفصول التالية، ناقش زكي الميلاد ما طرحه بعض الباحثين من أطروحات عن سبب انبعاث عصر النهضة، كيف تحدَّثوا عنه، وما رؤيتهم إلى هذه الحركة الإصلاحية، ويشير إلى أنَّ البعض يرى أن ”عصر النهضة ظهر وتشكّل على إثر الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر“. والبعض الآخر يرى أنها ”ظهرت وتشكّلت نتيجة نهوض ذاتي حصل في القرن الثامن عشر، ومن يُرجعه إلى النصف الثاني من القرن السابع عشر، وامتد إلى القرن السابع عشر“. ويرى الميلاد أن بعض الباحثين يعتقد أن انطلاق الإصلاح النهضوي في مسيرة الأمة ”يبدأ مع ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي“. أما آخر هذه الأطروحات الأربع، التي تحدث عنها وناقشها زكي الميلاد في هذا الكتاب القيم عن عصر النهضة، ما قاله البعض من ”أن هذا العصر ظهر وتشكل على أثر ما أحدثه السيد جمال الدين الأفغاني، من يقظة واسعة في مراكز العالم الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر“

وعن فكرة التمدُّن والتقدُّم لعصر النهضة وما بعده، طرح زكي الميلاد هذه القضية بصورة موسعة في هذا الكتاب، استعرض فيها الآراء التي ناقشت مسألة النظرة للتمدن وعلاقتها برؤية الفكر الإسلامي بالمجال العربي، وبالأخص نظرة الإسلام للتمدن والترقي، ويرى الميلاد ”أنّ هذه الفكرة تبلورت وتحدَّدت ونضجت خلال الفترة ما بين منتصف القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن العشرين، وهي الفترة التي يصفها الدارسون العرب المعاصرون بعصر النهضة، أو مرحلة الفكر الإسلامي الحديث. ولو بحثنا - كما يشير الميلاد - عن النصوص والمواقف والكتابات التي أشارت إلى هذه الفكرة، لوجدنا أنها تنتمِي كمًّا وكيفاً إلى تلك الفترة المحدّدة، وهناك كانت البدايات الفعلية التي تؤرخ لهذه الفكرة، ومنها أخذت طريقها في التطور والتراكم الممتدّ والمتعاقب زمناً وتاريخاً“

وعن سؤال النهضة وأهميته في طرح قضية: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ الذي كان كتابا أصدره الأمير شكيب أرسلان، وكان سؤالاً مهما، وظل يتردد كثيرا ولا يزال، ويشير المؤلف زكي الميلاد إلى أن "أبلغ سؤال طرح في ساحة عصر النهضة في المجال العربي الحديث، هو سؤال شكيب أرسلان «1286 - 1366 هـ / 1869 - 1946م»: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدَّم غيرهم؟ الذي اختاره عنواناً لكتابه الوجيز، الصادر سنة 1930م، وبفضل هذا السؤال اكتسب هذا الكتاب شهرة واسعة، بقي مُحتفظاً بها على طول الخط.

ولولا هذا السؤال - وبلاغته وحكمته - ما عُرف هذا الكتاب، وما اكتسب كلَّ هذه المعرفة، وهذه الشهرة المتقادمة والعابرة بين الأزمنة؛ فالكتاب ”عُرف بهذا السؤال، وبقي ولا يزال يعُرف به، ولو كان له عنوان آخر لما عرف هذا الكتاب، ولكانت شهرته بالتأكيد أقل حظوة“. وعن إخفاق النهضة العربية، وما قيل عن أسبابها، يطرح المؤلف - في مناقشته للآراء التي تناولت التراجع النهضوي العربي - أنه "لا يُمكن القول بأنَّ هناك خطاً متصلاً ومتصاعداً من التراجع والفشل في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، مع وجود حالات من النهوض والتقدم، كما لا يُمكن القول أيضاً بأنَّ هناك خطاً متصلاً ومتصاعداً من النهوض والتقدَّم في ساحة هذا الفكر، مع وجود حالات من التراجع والفشل.

وما يمكن تأكيده بهذا الشأن أنَّ هناك خطاً متبايناً يصعد تارة، ويهبط تارة أخرى، لكنَّ الغالب على الوضع العام في الأمة هو التراجع والفشل، وهذا ما يعطي إيحاءً بما ذهبت إليه هذه الأطروحات".

وتطرق زكي الميلاد إلى قضية عصر النهضة والدراسات التي تناولت هذا الأمر من الزاوية البحثية، فيرى أن عصر النهضة في المجال العربي شكَّل ”حقلا دراسيًّا لنمط من الكتابات والدراسات الفكرية والتاريخية، التي حاولت بصور عديدة تسليط الضوء على العصر، الموصوف تارة بعصر النهضة، وتارة بعصر اليقظة، وتارة بعصر الإصلاح، في محاولة لتجديد الصلة بهذا العصر، وجعله عصراً حاضراً في الذاكرة العربية المعاصرة“. ولا شك أنَّ هذه الكتابات التي لا تزال تسترجع قضية الإخفاق، مسألة مهمة وضرورية لطرح الفكرة لكل جيل من الأجيال، فما دمنا مستهلكين لمنتجات الآخر المتقدم، ودون أن نخرج من هذا المربع، فإن الأمة ستبقى كما كانت جامدة وتابعة في ظل هذا الرهان الصعب.

كاتب وباحث من سلطنة عمان