آخر تحديث: 16 / 11 / 2018م - 3:25 م  بتوقيت مكة المكرمة

سلطة المثقف

محمد الحرز صحيفة اليوم

أزمة المثقفين في أي مجتمع هي فقدان القيمة الرمزية باعتبارها قيمة تخول المثقف أن يكون صاحب سلطة تأثيرية على الآخرين. هذه السلطة فقدت خاصيتها وفاعليتها منذ أن تعولمت المجتمعات بفضل التطور السريع لوسائل الاتصال بين البشر. والكلام ينطبق هنا على المجتمعات الغربية بالدرجة الأولى، فمصطلح المثقف ولد وترعرع في الحقل الدلالي الاجتماعي والمعرفي للثقافة الغربية، فمنذ القرن الثامن عشر إلى مشارف القرن العشرين كان للمثقف الغربي صولات وجولات في أهم القضايا التي تمس المجتمعات سواء أكان منها السياسي أو الاجتماعي أو الديني الثقافي والأدبي، وهناك مرويات وقصص عديدة تدل دلالة قاطعة على مدى الأهمية والمكانة التي يحظى بها المثقف في تلك المجتمعات، ولسنا في صدد التركيز على مثل هذه المكانة وتبيانها للقارئ.

ما يهمني بالمقابل هو السؤال التالي: هل سلطة المثقف ترجع إلى عوامل ذاتية أم موضوعية أم كلاهما معا؟ وإذا كانت كذلك: ما نسبة الأولى للثانية والعكس؟

في تاريخنا الإسلامي كان الأدباء وطبقة كتاب الدواوين هم الذين يمكن تسميتهم بالمثقفين على اعتبار أن الأدباء يمتلكون على الأقل السلطة المعنوية التي تشكلت لهم في وجدان الناس بفعل إبداعاتهم المتميزة، وعلى اعتبار أن طبقة كتاب الدواوين كانوا يملكون السلطة الفعلية بسبب قربهم من السلطة والحظوة التي كانوا ينالونها من الخليفة أو السلطان. بينما هناك رأي آخر من الباحثين والمؤرخين الذين يرون في طبقة الفقهاء هم الأجدر بالتسمية، ليس من جهة كونهم يملكون السلطة الاجتماعية بحكم منزلتهم الدينية فقط، وإنما أيضا لاستقلال سلطتهم عن أي ارتباط يتعلق بالسلطة السياسية، وقد كانت محنة خلق القرآن في خلافة المأمون وما جرى من خلالها من أحداث على أحمد بن حنبل، هي أكبر دليل - من بين علماء آخرين عاشوا في عصور مختلفة وامتحنوا كما امتحن ابن حنبل - على مفهوم استقلال سلطة الفقيه عن أي سلطة أخرى. لكن هذه حالات استثنائية إذا ما قيست بالتاريخ الطويل في العالم الإسلامي للعلاقة القائمة بين الديني والسياسي.

لكن من العبث في تصوري البحث عن نظائر للمفهوم الحديث لسلطة المثقف في تاريخنا الإسلامي، لا الحقل الدلالي للكلمة في قواميسنا اللغوية يسمح بذلك، ولا السياقات المعرفية والاجتماعية والدينية في الثقافة الإسلامية تشي بذلك أيضا. في هذه الحالة لا يتبقى سوى الرجوع إلى الثقافة الغربية باعتبارها الحاضنة الشرعية له. وفي إطار هذه الثقافة يمكن الحديث عن ثلاثة سياقات ارتبطت بطريقة أو بأخرى بتشكل سلطة المثقف. فالأول من هذه السياقات هو سياق السلطة الأكاديمية الجامعية والثاني سياق السلطة الحزبية السياسية والثالث سياق الفرادة المعرفية. حيث الأول والثاني ترجع سلطة المثقف في ارتباطه بهما إلى عوامل موضوعية، فالسلطة الأكاديمية بتعاليمها وتقاليدها العريقة في الثقافة الغربية وفرت للكثيرين من المثقفين سلطة مؤثرة، وكذلك أيضا بالنسبة للحزبية السياسية فقد وفرت للمثقف في حال انخراطه في دوائره سلطة قوية. بينما السياق الثالث يمكن اعتباره ذا منزع ذاتي تكون شخصية المثقف وخصائصها وسماتها وذكاؤها ومنجزها تلعب دورا كبيرا في اكتسابه سلطة رمزية تعادل ما عداها من سلطات، ويمكن أن أعدد أسماء كثيرة تحت هذا السياق مثل: ماركس، فالتر بنيامين، إدوارد سعيد، وفرانز فانون.