آخر تحديث: 16 / 11 / 2018م - 6:24 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأربعين ذاكرة ثقافية وهوية اجتماعية

وديع آل حمّاد

ما أن يطل شهر صفر برأسه في كل عام إلا وتلتهب النقاشات والسجالات الساخنة ذات الصبغة التشنجية وتبدأ النزاعات المعلنة بين التيارين الواضحين على ساحة المجتمعات الشيعية: التيار الولائي التقليدي والتيار التنويري الإصلاحي _ حول إثبات مشروعية زيارة الأربعين أو عدمها. وكل تيار يشمر عن ساعده ويشحذ الهمم ويجمع عتاده وأسلحته المعرفية ويستحضر أدلته وأقوال الفقهاء من مضى ومن بقى، لكسب هذه المعركة المفصلية في نظرهما.

في نظري القاصر بأن تناول هذه المسألة كأنها أس العقيدة - لتكون مادة إشكالية جدلية بين الطرفين مولدة الخصومة والتناحر والتنازع بين أفراد المجتمع الواحد - في غير محله، لأن البحث عن المشروعية قد تجاوزه الزمن، وباتت الأربعينية تظاهرة عالمية يتحدث عنها الركبان، لا تقارن بها أية تظاهرة في زخمها وعددها وتنظيمها شعبياً ونحو ذلك، ولا يماثلها أي تجمع مهما سلط الإعلام الأضواء عليه. وكذلك أصبحت مادة تغطية لكثير من وسائل الإعلام العالمية، فضلاً عن سعي الباحثين لدراستها ومعالجتها اجتماعياً وسيسولوجياً وإنسانياً وعقدياً وفلسفياً وتاريخياً وإعلامياً.

فبدلاً من أن تكون بوصلة تساؤلاتنا متجهة نحو هذه التساؤلات:

هل ثمة نصوص دينية دالة على زيارة الأربعين بوجه خاص؟ وهل تصمد أمام الإشكاليات التاريخية أم لا؟ ينبغي علينا أن نوجهها نحو تساؤل في غاية الأهمية، يتعلق بالعلاقة الوطيدة والتلازم الوثيق بين ذاكرة وثقافة المجتمعات وتشكل ملامح شخصيتها، وهو: هل تشكل مفردة زيارة الأربعين حيزاً كبيراً ومهماً في وجدان وذاكرة المجتمعات الشيعية أم لا؟

ذاكرة وثقافة أي مجتمع حاضرة بقوة في تشكيل ملامح شخصيته، ولها مدخلية في عملية إبراز الفوارق والخاصيات التي تبرز هويته وتميزه عن غيره من المجتمعات.

لا شك ولا ريب بأن قضية الإمام الحسين تمثل جوهر ذاكرة المجتمعات الشيعية، والزيارة الأربعينية أحد مفرداتها المهمة، إن لم تكن اللب الأساسي لها في واقعنا الحالي.

لو دققنا في موسم الزيارة الأربعينية لوجدنا أنفسنا أمام حمولة إدراكية وتوعوية وثقافية من شأنها أن تؤدي إلى تحولات فكرية عميقة في المجتمعات الشيعية المحتفلة بها، رغم الاختلافات الخفية والكامنة والظاهرة بينها، إلا أن هذه الاختلافات حلت بدلاً منها الهوية الجمعية المتمثلة في عشق الحسين والانشداد نحو مبادئه وقيمه وسموه ورفعته وإبائه.

ولذلك وظيفة كل فرد يعشق الحسين ومثله التي ضحى من أجلها أن يعمل على الحفاظ على كل مفردة من المفردات التي تحفظ الذاكرة الجمعية الثقافية، لأنها تمثل ألية حفظ بقاء النوع بالمعنى الفكري والثقافي. فانتقال مفردة الزيارة الأربعينية من جيل إلى جيل يبقي الذاكرة الجماعية محتفظة بأهم سمتين تتسم بها، وهي: التواصلية والتداولية.

يقول نيتشة عن الذاكرة الثقافية: «ذلك الماضي الذي لا يريد أن يمضي». ومن منصة تعريف نيتشة للذاكرة الثقافية نطرح التساؤل التالي:

نعم قضية استشهاد الحسين وقعت في الماضي ولكن ما السر في بقائها قضية غضة طرية جديدة متجددة بتجدد الزمان؟

حفاظ الذاكرة الجماعية على تواصليتها وتداوليتها بين الأجيال أبقى قضية الإمام الحسين غضة طرية.

وهنا نسأل: هل نستطيع أن نقول بأن زيارة الأربعين التي تابعناها عبر الوسائل الإعلامية كانت الحاضر الماضي؟

من تابع الزخم الحضوري المبهر الذي جذب أنظار العالم إليه، يجزم بأن هذه الزيارة جسدت تعريف ماري كلير لافابر للذاكرة: «فإن الذاكرة باعتبارها الحاضر الماضي».

ولذا نقول: بأن العبث بمفردات الذاكرة يوصلنا إلى محوها وطمسها، وبالتالي ضياع الهوية الجمعية التي تشكل إطاراً تجتمع فيه شتى التباينات والفروقات والاختلافات، ولذا يجب علينا عدم العبث بمفردات الذاكرة.