آخر تحديث: 20 / 6 / 2019م - 7:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

يسوع الناصري

طاهرة آل سيف

في مثل هذا اليوم قبل ألفين ونيف من السنوات قيل أنك ولدتَ، غير أني لا أملك إلا أن أكتب عن مباركتك للكون في يومٍ بارد من أيام سنتي، في حينٍ أني قرأتُ في القرآن أن أمك العذراء قد هزت النخلة في ساعة المخاض فتساقط عليها رطباً جنيا وماسمعتُ عن رطباً يجنى في الشتاء، وقرأتُ فيما قرأت عن ولادتك في نسخٍ من الإنجيل أنه في يوم ولادتك كان هناك رعاة يرعون أغنامهم في الحقل، فكيف يكون ذلك في أحد أيام الشتاء.

أما الصورة التي هوت بقلبي في جمال رسمها ومانحتته أيدي محبيك، ولو أني كنت أعرف للطهر مادةً تُلمَس أو صورةً تُبصَر ماكنت عرفتها إلا فيما رأيت في تلك الرسوم والصور، لم تهدأ نفسي من أن تراودني حتى اقتنيتها في أحد زوايا منزلي، والتي كانت من خلفها الشمس بازغةً ولم يخبرنا عنها قرآننا، لكني سمعتُ عنها في الأثر قصةً، أنه حين أراد ملك الروم الانتصار آثر أن يؤلف بين الوثنيين والمسيحيين في جيش واحد ولم يكن له على ذلك سبيلاً لشدة العداوة بينهم، إلا أن يختلق حلماً فيرويه للشعب، فصحا ذات صباح واستجمع الحاشية وراح يروي حلماً زائفاً فقال أنه في ليلته نام في معبده وهو يتلو على إله الشمس دعاء للنصر فلما غفا على حالته هذه رأى وجه المسيح ومن خلفه إله الشمس «سول» وقد أشار إلى المسيح وقال: به ستنتصر، فسقط ذلك الحلم في قلوب المسيحين مايسقط من الماء العذب على الأرض الجرداء وقام القوم واتحدوا وانتصر ملك الروم، ومذ ذاك اليوم والشمس ملتصقة في ظهريكما، وإني لا أملك لنفسي من هوى طهرك غير هذه الصور على علمٍ مني بأساطيرها واختلاقها، وإني كلما جبتُ الأرض وقفتُ على عتبات الكنائس كما يقفُ المتأمل في آثار خلق الله، بعيدةً عن الأسوار التي ضربها الإنسان في أرض المعتقدات، فأتلمس تآلف سماوي يتجلى في وحدة الرسالات الإلهية، تآلف أشبه مايكون في خطاب القرآن للإنسان في محبته وسلامه التي دثرها بحكايات الرسل منذ بدء الخليقة حتى آخر رسالة.

وإني كلما رأيت لك جسداً صليباً يومئ بالضعف معلقاً تسيل من جراحاته الدماء، تذكرتُ جراحات قومك لك حين أرادوا لك البغض والكراهية وأنت تسيح في البلاد تبريء الأكمه والأبرص وتشفي المرضى، ولم تكن على تلك الصورة من الضعف بل كنت قوياً تهيم بوجه الحكمة وتودعها حواريك في ربوع أورشليم والجليل وبيت لحم وحيفا والناصرة تلك الأسماء والمدن التي تطهرت جنباتها بخطى نعليك وتعلق اسمها بذكرى تجليك، ومابغض الجبابرة منك إلا تمازج طينتك بالسلام والطمأنينة والمحبة لكنهم ماقتلوك وماصلبوك حين أرادوا لك ذلك وأراد الله لك العلو، فمازلت في سمائك، وليت شعري لو نزلت تفرش مائدة العشاء الأخير مع حواريك فيطيب لك العيش ساعةً على الأرض وتهنأ لك الرسالة والسلام.

بك وبأمك القديسة أفتتح عاماً جديداً من عمري وإن كانت المواقيت على غير الأثر، فإني أحفل بذلك اليوم كما يريد لي قلمي وكما علمني القرآن من خبرك وقدسيتك، كل عام والعالم يحتضن كل الرسالات السماوية بسلام وتسامح فسلام لك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حياً.

«عندما تكلم يسوع صمت العالم كله ليصغي، إن كلماته لم تكن لآذاننا بل بالأحرى للعناصر التي صنع الله منها هذه الأرض، فقد خاطب البحر، وخاطب الجبل، وخاطب الملائكة الذين وراء البحر والجبل، الذين استودعناهم أحلامنا قبل أن يجف الطين الذي فينا في أشعة الشمس، ولا يزال خطابه هاجعاً في صدرنا كأغنية الحب نصف المنسية، وفي بعض المرات يخترق طريقه إلى ذاكرتنا، كان خطابه بسيطاً فرحاً، وكانت رنة صوته كالماء العذب في أرضٍ ناشفة.» جبران خليل جبران