آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 10:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ما الأثر الاقتصادي للهيئات الأربع؟ ”3“

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

وعند التمعن في متطلبات سياسة المحتوى المحلي قد يجدها متعصبو العولمة ضربا من الحمائية، وهذا لا مناص منه لتحقيق التنوع الاقتصادي محليا، فضلا عن أن ما يتصل بتعزيز المحتوى المحلي ورفع نسبته فيما يُصنع من سلع ويقدم من خدمات، قد يؤثر في الكفاءة والإنتاجية. ووفقا للممارسات الدولية المتبعة حاليا، فهذا أمر مقبول تمارسه عمليا مجموعة كبيرة من الدول، لدرجة أنها طوعت سياسة التجارة الخارجية ”الاستيراد والتصدير“ بما ينسجم مع سياسة المحتوى المحلي، انطلاقا من أن ذلك يحقق هدفا اقتصاديا عاليا يقوم على توظيف الموارد المحلية. ففي جُلّ الأوضاع المطلوب هو الإتيان بسياسات فعالة في تعزيز الاستقرار الاجتماعي - الاقتصادي، وإن كان ذلك على حساب الكفاءة المطلقة، أو الحلول الأمثلية optimal، فهي حلول - على كل حال - أقرب إلى التنظير منها إلى التحقق الميداني. وهكذا يمكن الجدل في وجاهة وضع أولوية متقدمة لتحقيق سياسة تعزيز المحتوى المحلي وبوتيرة متصاعدة عاما بعد عام، على ما سواها من سياسات. وفي السياق السعودي تحديدا، نجد أن منح أولوية لسياسة المحتوى المحلي يأتي منسجما مع مستهدفات ”رؤية 2030“، من حيث توظيف مزيد من المواطنين، وتعزيز ميزان المدفوعات، وحفز النمو الاقتصادي.

ومع ذلك، فحتى تفضيل المدخلات المحلية، وما قد يعني ذلك من التغاضي قليلا عن التنافسية عالميا، إلا أن ذلك ليس صحيحا بالضرورة في المدى الطويل، بل يعني عمليا تطوير السوق الداخلية أولا، من خلال الإحلال محل الواردات، والسعي إلى التحسين المستمر للمنتج المحلي من حيث الجودة، وبعد أن ”ينضج“ يزج به في الأسواق الخارجية. من ناحية ثانية، فإن وضع اشتراطات دنيا للمحتوى المحلي أمام المصنعين ومقدمي الخدمات المحليين سيعني حكما استقطاب مزيد من المستثمرين للتصنيع في السوق المحلية، مع وجود مناخ استثماري مؤاتٍ، والسبب أنه لن يكون بوسعهم تصدير منتجاتهم ”سلعا أو خدمات“ إن لم تحقق ذلك الحد الأدنى، وسيجدون أنهم أمام خيارات جديدة، منها أن يصدروا بضائع نصف مصنعة؛ لإكمال عدد من العمليات الصناعية ذات القيمة المضافة على الأراضي السعودية؛ للوصول إلى الحد الأدنى من اشتراطات المحتوى المحلي. وهذا يقودنا إلى نقطة أن الاهتمام بالمحتوى المحلي ليس شأنا مقتصرا على المشتريات الحكومية، بل إنه - وبامتياز - شأن ارتكازي لسياسة التجارة الخارجية، يستدعي إعادة تقييم تلك السياسة بما ينسجم مع متطلبات المحتوى المحلي.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار