آخر تحديث: 20 / 6 / 2019م - 7:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العلا.. كصوت الكمان

زينب إبراهيم الخضيري صحيفة الرياض

الآن أحاول ترتيب الصور والحكايات والأصوات بداخلي وبلكاد أستطيع، فروحي متورطة بحب الأماكن والصور والجمال، كنت في الطائرة، وعندما هبطت الطائرة قادمة من الرياض إلى محافظة العلا المليئة بالإثارة والآثار، كانت مشاعري تلك اللحظة تستحضر كل ما قرأته وزرته من الآثار لحضارات قديمة ومعلوم أن أول حضارة موثقة في التاريخ هي الحضارة السومرية، ثم حضارات أخرى كالحضارة الفرعونية، والرومانية، وغيرها، فالحضارة ما هي إلا نتيجة اتحاد عناصر بين الإنسان والزمان والمادة، ثم يبدعها الخيال فتنتج حضارة، وكوني من عشاق الآثار فقد تعودت أن أسافر بعيداً لألتقط صوراً بجانب أو داخل كل مكان له تاريخ وحكاية، من الكولوسيوم في روما وأنا غارقة بالدهشة، أو بجانب سور الصين العظيم وأنا أتحسسه وأقول يا لعظمة الإنسان، ولا أنسى أعجوبة الدنيا الأهرامات وأساطيرها التي أعشق وغيرها الكثير، أما اليوم فأنا مسافرة وسط المملكة دون تأشيرة عبور إلى أرض العلا غرب المدينة المنورة، حيث الموقع الأثري هناك مستلقياً وسط منطقة صحراوية على هضبة من البازلت، كان قلبي يقفز من الحماسة ونحن نقترب من تلك الجبال في منطقة مدائن صالح، والمرشد السياحي الشاب ”بدر“ يشرح لنا باللغتين العربية والإنجليزية مدائن صالح والتي كانت تعرف بمدينة الحجر، وتعد من أهم الأماكن للأنباط بعد عاصمتهم البتراء في الأردن، أيضاً هي عاصمة مملكة لحيان في شمال شبه الجزيرة العربية، واتسعت حضارة الأنباط وكانوا يعتمدون على تجارة البخور والمر والتوابل، أيضاً ومدائن صالح غنية بالآثار الإسلامية، ففي البدء توقفنا عند خط سكة حديد الحجاز الذي يمتاز ببنائه القوي وكان يستخدم لنقل الحجاج حيث يمتد لمسافة 13 كم، وكانت مرشدتنا ”رانيا“ الرائعة والتي كانت تتسابق كلماتها كما الماء العذب وهي تشرح لنا حكاية القطار العثماني، ثم انتقلنا إلى الواجهات الصخرية لمدائن صالح حيث تضم 153 واجهة صخرية منحوتة، واستوطنوا دادان جنوب أراضي لحيان، والمبهج أنه في العام 2008م تم تسجيل الموقع ضمن قائمة مواقع التراث العالمي، ليصبح بذلك أول موقع يتم تسجيله في المملكة. اللافت في هذه الفترة هو صعود أشكال من الترفيه في المملكة بشكل غير مسبوق، وما شتاء طنطورة إلا أحد أنواع هذا الترفيه الثقافي حيث كنت سعيدة وأنا أحضر حفلة عازف الكمان العالمي رينو كابوسون بروائعه المنسابة كالضوء.

وأمام هذا الإلهام الروحي، أتفكر بما حولي، فالناس إلى ما يسليهم أميل، فهم يتعاطون مع التسلية في كل لحظة من لحظات حياتهم، بمعنى آخر هي استجابة عميقة للفرح والنشوة داخلهم، فعلاقة الإنسان بالموسيقى تندرج في إغناء هذا المستوى من البهجة والذي بقي إلى حد ما غير معترف بأهميته، واليوم ومع هذه النقلة الثقافية والتي حظيت بقدر لا يستهان به من الاهتمام لتصبح إحدى ركائز التنمية التي لن تزدهر إلا في أجواء الفرح والإبداع، وبه تنهض ثقافة مختلفة مبنية على الانفتاح.