آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 8:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

الله يسعدك ويوفقك

علي جعفر الشريمي صحيفة الوطن السعودية

سادت حالة من التذمر والاستياء الشديدين بين مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، بعد انتشار مقطع فيديو يُظهر أحد المذيعين السعوديين وهو يفاجئ سيدة بقطع اتصالها، بعد قولها للضيف: «الله يسعدك ويوفقك»، إذ وصفها المذيع بقليلة الحياء، معتبرا ما قالته أنه من الجرأة، وأن هذه خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها.

مغردو «تويتر» وجّهوا سيلا من الانتقادات الحادة، وأطلقوا «هاشتاقا» بعنوان «الله يسعدك ويوفقك»، يطالبون فيه بمحاسبة المذيع.

واللافت - بل والأمر الذي يدعو إلى الغرابة - أنه في معرض اعتذاره عن الواقعة، ظهر في مقطع آخر يتحدث فيه عن إساءته باللفظ وأنه من المفترض أن أقطع الاتصال عليها.

السؤال المطروح: ما الذي دفع المذيع إلى هذا الفعل؟ منذ متى أصبح قول المرأة للرجل «الله يسعدك ويوفقك» من العبارات الغزلية، وأنها من الخطوط الحمراء؟

أحد المحامين علّق في «تويتر» قائلا: «ما قام به المذيع يعد مخالفة شرعية ونظامية، وإساءة لفظية، ومساسا بكرامة المتصلة، وهذا يوجب العقوبة بالغرامة المالية على المذيع والقناة، وفق أنظمة ولوائح الإعلام المرئي والمسموع، مع حق المتصلة في المطالبة بحقها الخاص لإيقاع العقوبة الجزائية على المذيع».

في الواقع، هذه الإساءة اللفظية لا تحدث اعتباطا، أي لا تحدث دون أن يسبقها تمهيد ثقافي وبيئة اجتماعية، تريح ضمير فاعلها، وتجعله لا يأبه بردة الفعل ضد إساءته، ولا يتوقع بأنه سيحاسب على فعلته، لكون أن هنالك من سيتطوع ويدافع عنه كضحية، ويرمي الجرم على الضحية نفسها، وهي هنا المرأة المتصلة.

القضية في هذه الواقعة، هي أخلاقية في عمقها، تتناول طبيعتنا كشعب، مصداقيتنا، رؤيتنا لأنفسنا، مدى إيماننا بالقانون، مدى اعتقادنا بالمساواة كبشر، ووعينا بأهمية القضاء على التمييز العنصري بكل أنواعه، خاصة «التعنصر» ضد المرأة، وهو أسلوب مكشوف ومفضوح.

وكثير من مروجي الخطاب العنصري ضد المرأة يهدفون إلى الحجر عليها، وقمعها حتى بمجرد الحديث في برنامج تلفزيوني. هؤلاء يتشددون عليها في كل صغيرة وكبيرة، والنتيجة هي عدم تمكينها من حقوقها المادية والإنسانية.

والحقيقة أن إفساح المجال لهذه الثقافة، يؤدي بالضرورة إلى ضياع البوصلة الأخلاقية، ثم تبرير كل أنواع الأعمال غير الإنسانية، خاصة أن بعضنا يمتلك براعة فائقة في العقل التبريري، فقد استطاعوا في الماضي القريب بكل ما يمتلكونه من رصانة التبرير، أن يحوّلوا المرأة المجني عليها إلى جانٍ.

النتيجة أنه قد لا توجد حلول سحرية لمشكلة العنف ضد المرأة، لكن بالتأكيد «لكل داء دواء». التدبير الوحيد المناسب في نظري والمهم، هو اتخاذ كل التدابير التشريعية، من تقنين نصوصٍ تعاقب وتجرّم التمييز ضد المرأة بشكل واضح ومحدد.