آخر تحديث: 22 / 5 / 2019م - 1:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

كتاب «فلسفة الفكر الإسلامي» موسوعة فكرية موجزة تجيب عن أهم التساؤلات الفكرية

جهينة الإخبارية د. موفق مجيد ليلو

تشهد الساحة الفكرية اليوم انحسارًا للمواجهة العسكرية على المستوى العالمي لفرض حضارة أو أيديولوجية ما، مع تصاعُدِ المواجهة الفكرية والتحديات الايديولوجية؛ لأنَّها الأكبر أثرًا والأشد وقعًا والأطول عمرًا، وفي حروب العقول هذه «تسوِّق» الأفكار تحت مسميات جذَّابة وعنوانات برَّاقة، قد تخدع الشباب بالدرجة الأساس؛ لأنّهم أرقُّ أفئدة، ويميلون الى روح التجديد والحداثة. فربَّما كانت الحداثة أو ما بعدها أو العلمنة أو الليبرالية وغيرها مسميات تنجذب إليها المجتمعات، لاسيَّما بعد «الصفعات» التي تعرَّضت لها على أثر هيمنة «الإسلامويين» على المشهد السياسي بعدما يعرف ب «الربيع العربي». ولذا فإنَّ تحصين الفرد والمجتمع يشكِّلان نقطة مهمة في إدارة الصراع الفكري القائم، وفرض الأيديولوجيات، وهو ما يتطلب تقديم الصورة الحقيقية الوضَّاءة للإسلام المحمدي الأصيل بعيدا عن شعوذات المدَّعين، وإزالة الرَّين الفكري الذي تتناقله وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي محاولةً طمس معالم هذا الدين الحنيف الذي استوعب برؤيته الكونية كل شيء.

إنَّنا اليوم أحوج ما نكون الى دعاة ومتصدين يحسنون إظهار هذه الصورة الناصعة التي شوَّهتها أفكار المتشددين وأنصاف المثقفين، وهو ما أكَّدته الآية الكريمة ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ سورة النحل125.

من هنا تأتي أهمية كتاب الشيخ «عبد الله اليوسف» الموسوم ب «فلسفة الفكر الإسلامي - قراءة جديدة لأهم الأصول الفكرية في الإسلام»، إذ يعرض الكاتب - وبلغة يسيرة - لأعقد البنى الفكرية التي تشكل الشخصية الفكرية للإنسان المسلم، فيأتي في فصول ثلاثة «أفكار عقدية، وأفكار تشريعية، وأفكار ميتافيزيقية»، أو بعبارة أوضح «العقيدة والتشريع والغيب»، وهذه الجوانب الثلاثة أساس تشكيل الرؤية الكونية لكل فرد.

ففي الفصل الأول يشير الكاتب الى مفهوم الدين وعلاقته بالإنسان، وقدرة الدين على تلبية احتياجات الإنسان وإشباع البعدين المادي والروحي فيه، ثم ينتقل الباحث إلى الإجابة عن تساؤل مفاده: لماذا لا يغني العلم عن الدين؟ وهو أهم ما يطرح في الساحة الفكرية في الوقت الراهن، بل ومنذ ظهور العقلانية والعلمانية في أوربا، وتبنيها للمذهب التجريبي الحسي وإخضاع كل شيء الى مشرط النقد والتجربة.

نعم إنَّه تساؤل مهم يجيب عنه هذا الكتاب، ويعرض الأدلة العقلية، على محدودية العلم وعدم قدرته على الإحاطة بكل الأبعاد الإنسانية، بل إن العلم يدعو الى الإيمان، فالدين أوسع دائرة من العلم والتجربة، اذ ليس كل احتياجات الانسان يمكن ان يغطيها العلم.

فلسفة الفكر الإسلامي

غلاف كتاب: فلسفة الفكر الإسلامي، ط. 3,1439 هـ  - 2018م

ينتقل الكاتب الى قراءة تحليلية لأهمِّ خصائص الدين الإسلامي المتمثِّلة في «الربوبية والإنسانية والشمولية والمرونة والعالمية»، وهذه الخصائص هي ما يحقِّق ديمومة الدين وقدرته على التجدُّد ومواكبة الحضارة.

يختتم هذا الفصل في فضل أهل البيت ثم التعرُّض لمسألتين شائكتين كانت - على مر العصور - موضع صراع بين الفرق والمذاهب، بل وحتى على مستوى الأديان الأخرى، وتلك المسألتان، القضاء والقدر، ومسألة البداء.

أما الفصل الثاني فهو يغطي الجانب التشريعي العبادي من خلال توضيح معنى الفقه والفقيه والثقافة الفقهية وأهميتها، وتلك الأهمية تنطلق من الامتثال للواجب الشرعي وفهم الإسلام والقيمة الحقوقية فيها وأخيرًا تنمية الثقافة العامة.

ينتقل الكاتب الى القرآن الكريم بوصفه منهجًا ودستورًا للحياة وليس كتابًا مقدسًا للتبرك فقط، مركِّزًا على أهمية الدور الذي يؤديه في التشريع والحياة، بعيدًا عن الفهم السطحي أو الجزئي أو المصلحي للنص.

يعرض الكاتب بعد ذلك أهمية العبادات «الصلاة والحج والخمس والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، في إشارة الى الجوانب التربوية والفكرية في هذه العبادات، ففي الصلاة يشير الى الفوائد الروحية والنفسية والصحية «دون إهمال لبعد على حساب الآخر»، فيما يشير الى دور الحج في تربية النفس واختبار مدى التزام المخلوق بعبوديته لخالقه، وهي رحلة الروح في عوالم الطاعة والانقياد الى الحقِّ سبحانه.

وأما فلسفة الخمس فتكمن في امتحان طاعة المؤمن وتطهير ماله وتقوية بيت مال المسلمين، ويأتي شهر رمضان ليمثل شهر التغيير والعبادة والمغفرة وكتابة المستقبل، والتخطيط للحياة من خلال ما يحدده الانسان من أهداف ورغبات في ليلة القدر. فضلًا عن فوائد الصوم وأثره في بناء النفس والإرادة والعقل والجسم. ثم يبحث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطهما ومراتبهما، الفلسفة من ذلك.

يقدِّم الفصل الثالث رؤية واضحة للإجابة عن سؤال: إلى أين؟

ما مصير الإنسان بعد الموت؟ وما أهمية الإيمان بالغيب؟ وهل ثمة عالم آخر غير ما تدركه حواسنا؟ وما الغاية من وجود يوم يدان فيه المرء؟ وما الغاية من وجود الجنة والنار؟ وكيف يمكن أن نؤمن بما لا نراه؟ ربما هذه الأسئلة وغيرها هي ما يناقشه المؤلف بأسلوب شائق يمكنه أنْ يغير تفكير كثير ممن وقع ضحية للوساوس والشبهات، لا سيَّما ونحن نعيش في عصر «الشبهات المعلَّقة» التي تطرح بمغالطات وسفسطات لا تتبنى منهجًا عقليًا - مع ادعائها العقلانية، فالعقلانية التي يقصدونها العقلانية «الحسية أو التجريبية وليست العقلانية المنطقية» التي تتبنى أسس التفكير الصحيح الذي ينبني على أسس رصينة وبديهية لا يختلف فيها اثنان.

إنَّ هذا الكتاب يشكل إضافة نوعية بما يحمل من رؤى أفكار عرضت بشكل ميسر لكل قارئ مع عمقها وأهميتها، فهي موسوعة فكرية موجزة تقدِّم إجابة وافية عن أهم التساؤلات الفكرية التي تختلج في صدور الإنسان المعاصر الحائر، أو الباحث عن الحقيقة، في خضمِّ هذا الصراع الفكري وتعالي الصيحات التي تدعو الى «التحرر من قيود الدين؟!» وحاكميِّة العلم على الحياة.

ثمَّة لغةٌ عصرية تواكب الخطاب السائد ولغة الأرقام التي يتحدَّث بها الآخر، وهي لغة تفتقر إليها خطاباتنا المعاصرة أو المنبرية، فهو خطابٌ يتنزَّل الى القارئ العادي ليرتقي به الى مستوى الحوار والإقناع بعيدًا عن لغة الإقصاء ومحو الآخر، بعيدًا عن المغالطات التي تتبناها العدميِّة.

الجدير بالذكر أن كتاب «فلسفة الفكر الإسلامي» لسماحة الشيخ الدكتور عبدالله أحمد اليوسف قد صدر بحلة جديدة في طبعته الثالثة 1439 هـ - 2018م عن مركز عين للدراسات والبحوث المعاصرة في النجف الأشرف.