آخر تحديث: 13 / 10 / 2019م - 11:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

في أن العقل قرين النص كمصدر للتشريع

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

اطلعت في الأسابيع الثلاثة الماضية على كثير من النقاشات المتعلقة بدور العقل في التشريع، وفي صياغة القيم والأخلاقيات، التي تشكل أرضية أو إطاراً فلسفياً للعرف الاجتماعي والقانون.

تدفعني تلك النقاشات لبدء المقالة بنفي اتهام شائع، فحواه أن منكري القيمة الدينية للعقل، هدفهم إبقاء الناس في ظلمة الاحتياج إليهم، ومن ثم استغلال هذه الحاجة في إنفاذ ما يريدون، ولو على حساب الجهلاء والغافلين. والحق أن هذا ليس بالاتهام الجديد، فقد اطلعت على مثله في الأدبيات الماركسية. لكن الإنصاف يدعوني للقول إني لم أجد إشارة تبرر مثل هذا الاتهام عند القائلين بذلك الرأي. بل وجدتهم يبنون دعواهم على أدلة تستحق التوقف، سواء وافقت مدلولها أو عارضته. وهم يقولون بشكل صريح، إنهم يرفضون المساواة بين عقل البشر، الذي يحتمل منه الخطأ والصواب، والنص المعصوم المنزه عن الخطأ. هذا القول، واحد من خمسة تقريرات تشكل صلب الموقف المنكر لدخالة العقل في التشريع، بل لمنحه مكانة ثانوية نسبياً، في أمور الدين بصورة عامة.

أما التقريرات الأربعة الأخرى فهي:

أ» أن آراء البشر ومستخلصات عقولهم، تختلف من شخص إلى آخر. بل تختلف عند الشخص نفسه بين زمن وآخر. فكيف نقيم حكماً شرعياً أو قيمة أخلاقية على أرضية غير مستقرة؟

ب» أن أحكام الله مبنية على معرفة الخالق سبحانه لموضوع الحكم، معرفة واقعية، لا احتمال فيها للشك فضلاً عن الجهل. أما معرفة الإنسان بالموضوعات فهي ظاهرية وتجريبية، وهي محتملة الصحة ولا تصل إلى درجة اليقين، إلا في حالات نادرة. والعقل يحكم بأن اليقين مقدم على الشك، كما أن المعرفة الواقعية مقدمة على الظاهرية.

ج» بعض الأحكام والأوامر الإلهية مبنية على علل أو حكم خفية لا يعلمها الناس، ولهذا فهي تطاع تعبداً، ورجاءً لرضا الله، سواء تقبلها عقلنا أو أنكرها، لأنها وراء ما يستطيع العقل إدراكه أو استيعابه.

د» أن استجابة المكلف للأمر الإلهي غرضه التقرب إلى الله ونيل رضاه، وليس بالضرورة إنجاز منفعة أو دفع ضرر «مادي - دنيوي». وفهم حقيقة الأمر لا دخل له في نيل الرضا أو عدمه، ولا هو شرط فيه. هذه خلاصة ما قاله المنكرون لدور العقل في الدين. على الطرف الآخر يقدم القائلون بأهمية دور العقل، أدلة متينة تدعم قولهم إن العقل أصل في الإيمان والتدين، وإنه لا دين من دون العقل. بل اعتبار العقل سابقاً على الدين، وهو شرط في التكليف، لأن صحة الإيمان مشروطة بالاختيار الحر، والاختيار الحر مشروط بالعقل العارف.

ثم إن منطق الأمور يقتضي مساواة العقل بالنص مصدراً للتشريع. لأن النص وفق تعبير الإمام علي بن أبي طالب «لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان. وإنما ينطق عنه الرجال». من هنا فإن دور العقل قطعي في فهم النص وتنزيله وتعريف موضوعه، وهذه كلها محددات. إما أن نعترف بها ونطبق عليها أدوات النقد العلمي، أو نتغافل عنها فيصبح النص الإلهي منطقة مفتوحة لكل فهم علمي أو غير علمي.

بعبارة أخرى، فإن رافضي دور العقل لا يستطيعون إنكار دخالته الجبرية في تحديد مكانة النص وتكييفه، فكيف يتعاملون مع هذه المفارقة؟ هذه هي المسألة المحورية، ولنا عودة لبقية النقاط في المستقبل إن شاء الله.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.