آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 11:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

شمس بداخلنا

كمال بن علي آل محسن

‏ ”السعداء يبنون عالمهم الداخلي، والتعساء يلقون باللوم على عالمهم الخارجي.“ - هارف إيكر

في كل يوم نفتح عيوننا الصباحية ؛ فنشاهد شمسنا « الخارجية » وهي تبزغ كل صباح معلنة ميلاد يوم جديدٍ يحمل أحداثا جديدة ، وأحلاما خضراء، وثمارا حان قطافها ، وامنيات ربما يكون هذا اليوم هو موعدها المنتظر .

هذه الشمس «الخارجية» ليست لدينا عليها سلطة ، ولا نستطيع التحكم فيها أو توجيهها كما نريد ، وكيفما نحب ونرغب ، فهي تسير وفق نظام دقيق ، وهي آية من آيات الله سبحانه وتعالى .

هذه الشمس ليست محور حديثنا ، ولا غاية قصدنا، نحن هنا - وفِي هذه الصفحة الإلكترونية - سنتحدث عن شمس أخرى مختلفة ، وهي ليست خارجية بل «داخلية» وغير مرئية ، كذلك فإننا نستطيع أن نوجه بوصلتها كيف نشاء ، ولدينا القدرة على التحكم فيها ؛ لتمدنا بالقوة اللازمة لمواجهة الأحداث والوقائع والمشكلات والظروف والمؤثرات الخارجية ، هذه الشمس الداخلية مقرها ومكانها في نفوسنا ، في دواخلنا وفِي قلوبنا .

إن كل واحد منا يمتلك هذه الشمس ، وهي سلاح ناجع وفعّال لمواجهة أقسى الضربات والتحديات ، وهي كذلك مختلفة ومتفاوتة من حيث قوة السطو والإشراق ، فبحجم السطوع يقوى هذا السلاح ، وبقوة درجة الإشراق تنتصر نفوسنا على أشد المواقف وأصعبها .

شمسنا الداخلية تستمد قوتها وتستقيها من جذور كثيرة تنمو تدريجيا بإرادتنا وعزيمتنا وإصرارنا ورغبتنا، هي جذور راسخة وضاربة في العمق ، ومنها :

التغلب على مخاوفنا والتي لا نصرِّح بها غالبا والتي تمنع تقدمنا وتطورنا وتبقينا في بادي السلم ، يلي ذلك تجربة أشياء جديدة ومفيدة تظللها وتعززها ثقتنا بأنفسنا ، مع عدم إضاعة الوقت في ذكريات الماضي وما أحدثته من شروخ وآلام ، والتفكير في الحاضر الآني ؛ لتحسين المستقبل ، كذلك الفرح بانجازتنا الصغيرة والاعتزاز بها حد الفخر ، وتعهدها بالعناية والرعاية ؛ لتنمو فتصبح كبيرة ومؤثرة ، ولا ننسى التصالح مع ذواتنا وتقديرها ومنحها المكانة العالية التي تستحقها دون مبالغة أو نرجسية .

تقوية شمسنا الداخلية / عالمنا الداخلي بصورة مستمرة ودائبة ومتواصل تجعلنا نواجه الحياة بصعوباتها وأزماتها ، بل ونتغلب على أصعب المواقف وأشدها شراسة ، ونستطيع أيضا تحقيق آمالنا وأحلامنا وتطلعاتنا ، ونصنَّف أمنياتنا - التي نجحنا في أن نجعلها حقيقة - في براويز ماسية نحدق فيها ، فينبعث منها ذلك البريق الذي يأخذنا في رحلة تأمل فيروزية ، رحلة كانتمجموعة أحلام في داخل إنسان ، حتى أضحت واقعا وشمسًا تضيء دواخلنا ، فكلما تعرضنا لمشكلة أو عائقة أو مأزق عالجها شعاع هنا أو ضوء هناك مصدره تلك الشمس التي شيدنا بناءها فينا ، فأعطتنا كل تلك القوة والبأس والصلابة والطاقة ؛ لمواجهة أقسى الظروف والمعضلات والعقبات التي نواجهها ونلاقيها في حياتنا .

أضع لك مثالين يختصران الأمر كله ،

أولهما لشجرة الخيزران وثانيهما للصخرة :

- شجرة الخيزران عندما نزرعها فإنها تظل لمدة أربع سنوات في مد جذورها في الأرض لتبني نفسها من الداخل « شمس داخلية » ، بعدها تبدأ تكبر من الخارج إلى أن يصل طولها إلى أكثر من ثلاثين مترا .

- الصخرة تستمد قوتها من داخلها مهما واجهت من تحديات وتعرضت لأقسى الضربات .

التناسب الطردي الحاصل بين تقوية الداخل وانعكاسه على تقوية الخارجي جعلنا نتخذ قرارا فوريا - لا تردد فيه ولا تأخير - صيغته لا لبس فيها ولاغموض ، وألفاظه سهلة سلسة ، ومفاده بسين المستقبل القريب وليس بسوف :

سأقوّي شمسي الداخلية !