آخر تحديث: 27 / 5 / 2019م - 5:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر ضيافة الله «10»

محمد أحمد التاروتي *

الاخلاق جواز المرء للقلوب على الدوام، فالانسان الذي تتحلى بالخلق الحسن، يجد التقدير والاحترام من الصغير قبل الكبير، نظرا للأثر العميق للأخلاق الكريمة على النفوس، الامر الذي ينعكس على صورة المحبة الكبيرة، وبالتالي فان المرء ليس بحاجة لبذل الاموال لشراء الحب والاحترام، بقدر ما يحتاج لاستقبال الاخرين بالوجه الباسم، والكلمة الطيبة.

باستطاعة المرء امتلاك القلوب، بما يظهر من سلوك حسن، والحرص على اظهار الجانب الطيب، والسعي الدائم على امتصاص الخلافات الجانبية، خصوصا وان العلاقات الانسانية معرضة للانتكاسات، الامر الذي يتطلب امتلاك القدرة على إذابة، تلك الخلافات باقل الخسائر الممكنة، لاسيما وان العزة بالإثم تدفع باتجاه التصعيد، فيما صوت العقل يحث على التهدئة، والتعامل بطريقة عقلانية، لابقاء الأواصر قائمة، نظرا للاثار المترتبة على إشعال جذوة الخلافات الانسانية، سواء على الصعيد الذاتي او الجانب الاجتماعي.

الاخلاق الحسنة مرتبط بمجموعة القيم المحرك للسلوك الخارجي، فالأخلاق تجسيد عملي للمبادئ التي يحملها المرء، مما يدفعه باتجاه لإظهارها في التعاملات اليومية، ”وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ“، وبالتالي فان جاذبية الاخلاق قادرة على إذابة الجليد في العلاقات الانسانية، فالطرف الاخر لا يجد مناصا من الاستجابة الايجابية، مع وجود النوايا الحسنة، فيما التصعيد يواجه بمثله في الغالب، الامر الذي يسهم في توتير العلاقات البشرية على الدوام.

محاولة السيطرة على الاخرين، مرتبطة بالقدرة على امتلاك القلوب، فالحب يدفع باتجاه توطيد العلاقات الانسانية، بحيث يترجم على شكل الاستعداد لتقديم مختلف اشكال التعاون، ”جبلت القلوب على حب من احسن اليها“، وبالتالي فان الاخلاق بمثابة العصا السحرية، القادرة على تحقيق المعجزات على الدوام، فالخلافات التي يصعب إنهائها، يمكن إغلاقها بالكلمة الطيبة، والسلوك الحسن.

في المقابل يلعب السلوك السيء دورا كبيرا، في تعميق الخلافات، وقطع الطريق امام محاولات رأب الصدع، نظرا لإصرار احد الاطراف الاصطياد في الماء العكر، مما يولد حالة من العداء والتعامل بالمثل ”ردوا الحجر من حيث أتى“، بمعنى اخر، فان السلوك السيء يشكل خطورة كبرى على الامن الاجتماعي، لاسيما وان هذه السلوكيات تدخل الجميع في متاهات يصعب الخروج منها، مما ينعكس على شبكات العلاقات الاجتماعية.

شهر رمضان بما يحمل من قدرة على ضبط السلوكيات، دعوة صادقة لإعادة رسم السلوكيات على الصعيد الذاتي، والتعاملات الخارجية مع الاخرين، خصوصا وان البعض لا يمتلك القدرة على السيطرة على الغضب، او تجاهل الإساءة من الاخر، مما يستدعي العمل باتجاه يحريك الجانب الايجابي، وقتل الخلق السيء بشكل نهائي، اذ يتطلب الامر الارادة الصادقة، والرغبة في التغيير الحقيقي، لاسيما وان الانسان يمتلك القدرة على التحول، وتغيير طبيعة السلوك، سواء في المحيط الصغير، او البيئة الاجتماعية الكبيرة، وبالتالي فان العملية ليست سهلة ولكنها غير مستحيلة على الاطلاق، ”ما ضعف بدن عما قويت عليه النية“، ”مَن حَسُن منكم في هذا الشهر خُلْقه كان له جواز على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام“.

رمضان شهر التحولات الكبرى في مختلف الجوانب، فالصيام يتجاوز بعض المفاهيم السطحية، التي تتداول في الغالب مختلف الشرائح الاجتماعية، فهو يتضمن الكثير من المعاني والأسرار، التي تتكشف مع التطور الفكري، والتقدم العلمي للبشرية جمعاء.


‏?محمد العبد الله

كاتب صحفي