آخر تحديث: 22 / 8 / 2019م - 3:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

الموت وثبات النظرة إلى الماضي

محمد الحرز جهينة الإخبارية - صحيفة اليوم

الحياة لا تعاش سوى مرة واحدة، ولا باستطاعة أي إنسان أن يقول: سأموت اليوم وغدا سأعود إلى الحياة مرة أخرى، وكأنه ذاهب في نزهة قصيرة أو خارج من فندق بعد قضاء ليلة واحدة فيه. فالموت هو الموت: صراخ العدم في وجه الحياة، تحلل الجسد إلى عناصره الأولية، انقطاع الزمن وغياب الحركة، اختفاء الذاكرة وكل متعلقاتها من أحلام وأحزان وأفراح.

القصة واضحة لا تحتاج إلى شرح أو بيان: كائنات العالم تذهب، الناس تمشي على هذا الجسر باتجاه واحد، ولا يملكون خيار العودة بخطواتهم للوراء. فالحقيقة أن قصة الموت هي أكبر قصة تراجيدية في التاريخ عاشها الإنسان في حياته. لذلك جميع الأديان أقرت الحياة ما بعد الموت بالطريقة التي تتوافق ومعتقدات كل دين. ناهيك عن المخيلة البشرية التي أعطت الأدب شخصيات خالدة في الذاكرة البشرية مثلما هي شخصية «جلجامش» الباحثة عن الخلود عند السومريين، عدا عن الكثير من القصص والروايات في التراث الإنساني التي تربط الحياة ما بعد الموت بفكرة الخلود.

ناهيك عن الفكرة الشائعة التي سرت في المخيلة البشرية عن أن الموت يشبه النوم وإن الأموات يمكن التواصل معهم عن طريق إرسال الرسائل مع الموتى.

والطريف في الأمر أن بعض الملوك في التاريخ القديم كلما أراد أن يرسل رسالة إلى الأموات يأتي بواحد من عبيده، ويلقنه الرسالة ثم يقتله، وإذا فاته شيء من الرسالة لم يلقنه العبد، جاء بعبد آخر ولقنه ما تبقى من الرسالة وألحقه بالعبد الآخر بعد قتله.

عموما لم أرد مما تقدم - رغم الإسهاب - من كلام سوى توضيح الفكرة التالية:

تعارض فكرة الموت التي نعيشها منذ الولادة مع الأفكار اليقينية التي نحملها عن أنفسنا وعن الآخرين. يقول الفيلسوف الرواقي سينيكا: «إننا نعيش في قلب الأشياء المُقدر لها جميعها أن تموت».

أهم نقطة نسجلها هنا في سياق التعارض هي ثبات النظرة إلى الأفكار التي تأتينا من الماضي، وكل ثبات مرتبط أساسا بمفاهيم مثل الحقيقة واليقين وتقسيم العالم والقيم إلى ثنائيات، هؤلاء يمثلون الخير المطلق، وأولئك يمثلون الشر المطلق، هؤلاء قديسون، وأولئك عاديون.

ربما يظن البعض أن بمجرد الكشف عن هكذا تعارض، ووضع اليد على المشكلة، يكون من السهل تاليا وضع المقترحات والحلول للخروج من مأزق ثبات النظرة تلك. لكن المسألة أكثر تعقيدا من ذلك. الماضي أو التاريخ لا يعني في مجمله سوى سلسلة من الأموات فرضوا أفكارهم بقوة السلطة أو بقوة المال أو بقوة الإبداع والعبقرية. لذلك فعل المقاومة عند إرادة الأحياء لا يعني المواجهة، بل يعني التجاوز الذي يتضمن معنى الاحتواء، وهذا مشروط في ظني بالانتباه أو التأمل في الحياة ذاتها التي يعيشها الإنسان.

وما نعنيه بالتأمل هنا هو: فسح المجال للتعايش مع فكرة الموت باعتبارها تحول الإنسان من طور إلى آخر، فالطفولة موت بالنسبة لمرحلة الشباب، والشباب موت لمرحلة الرجولة والنضج، وهكذا كل مرحلة موت بالنسبة للأخرى في أطوار الحياة المختلفة.

هذا التعايش إذا ترسخ في صميم التربية، وأصبح إحدى القيم التي ترتكز عليها ثقافة المجتمع ومعارفه، فإن ثبات النظرة ينتفي، ويحل محله طور التحول والحركة، ولا يبقى من تلك النظرة سوى الذكريات والأحلام التي لن تكون بالتالي جزءا من الأفكار الثابتة، بل ستصبح في مجملها أحاسيس ومشاعر تضيء تحولات الإنسان في حياته. لكنها لا تتعارض معه ألبتة