آخر تحديث: 19 / 9 / 2019م - 11:47 م  بتوقيت مكة المكرمة

تركيا: الديمقراطية المنقوصة

محمد المحفوظ *

ملخص:

عشية فوز الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في «24» يونيو الماضي، شهد الجيش التركي أكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخه، من بينها إلحاق هيئة الأركان وجهاز الاستخبارات بمؤسسة الرئاسة، وإسناد الترقيات داخل الجيش إلى الرئيس بدلا عن مجلس الشورى العسكري الذي أعيدت هيكلته لتصبح غالبية أعضائه من المدنيين ناهيك بتعيين رئيس الأركان وزيرا للدفاع في نادرة مثيرة في تاريخ الجمهورية التركية. كما شهدت القوات المسلحة حملة تطهير واسعة في صفوفها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016. إذ تم تسريح واعتقال عدد معتبر من قياداتها وعناصرها بتهمة الانتماء إلى جماعة فتح الله غولن.

ويبدو أن الرئيس أردوغان ينطلق من خلال النظام الرئاسي الذي اقترحه وأجرى الانتخابات الأخيرة على أساسة. يتجه بقوة عبر تغيير النظام إلى القبض على كل آليات وأدوات السلطة السياسية في تركيا، مستعينا بالجمهور التركي الواسع الذي انتخبه وبحزبه الذي أنجز الكثير في الحياة السياسية والاقتصادية التركية.

وفي تقديرنا أن سيطرة أردوغان على كل شيء، حتى لو كانت هذه السيطرة بوسائل ديمقراطية، ولكن نتائجها وآثارها ستكون بالضد من الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة في تركية.

ومن المؤكد أن أردوغان يحظى بشعبية وازنة لدى الشعب التركي والانتخابات الأخيرة أبانت هذه الحقيقة. ولكن من الضروري التفريق بين الشعبية والديمقراطية. فالإنسان الذي يحظى بشعبية، لا يساوي أنه أنتخب بديمقراطية. فالزعيم عبد الناصر كان يحظى بشعبية عارمة، ولكن هذه الشعبية العارمة لا تساوي أنه عبد الناصر أنتخب لرئاسة مصر بديمقراطية.

وتأسيسا على هذه القناعة الراسخة فإن استئصال النظام السلطوي في تركيا إلى النظام الرئاسي، فإنه في مآلاته المتوسطة والبعيدة، سيقضم من العملية الديمقراطية في تركيا. بمعنى أن النظام الرئاسي سيقلل من إمكانية أن يتطور النظام الديمقراطي في تركيا ذاتيا. صحيح أن تغيير النظام إلى الرئاسي، تم بوسائل ديمقراطية عبر الانتخاب المباشر، إلا أن مآلات هذا النظام ستضر بالنظام الديمقراطي. والمحصلة العملية لذلك إعادة إحياء تجربة السلطان سليمان القانوني. وهذه الدراسة محاولة لرصد أحداث ثلاثة كبرى، شهدتها الساحة التركية، وهي في مضمونها بمثابة الإرهاصات والمقدمات السياسية لتغيير النظام إلى النظام الرئاسي. وهذه الأحداث كالتالي:

1 خطر الإقصاء في الحياة السياسية:

عديدة هي التجارب السياسية التي تثبت أن نزعة الإقصاء والاستئصال، لا تفضي إلى نتائج أمنية إيجابية على الحياة الاجتماعية.. لأن هذه النزعة تؤدي إلى توتير اجتماعي وسياسي، يضر بالأمن الاجتماعي والسياسي معاً..

لهذا فإننا نعتقد أن نزعة الاستئصال ليست حلاً لمشكلة، وإنما هي تعقيد إضافي على المشكلات القائمة.. أسوق هذا الكلام في سياق طريقة تعامل الحكومة التركية الحالية مع جماعة فتح الله غولن، إذ تتعرض هذه الجماعة بعد الانقلاب العسكري الفاشل إلى عمليات طرد وإقصاء منظم في مختلف دوائر الدولة التركيةِ..

ومنذ الانقلاب تعرض المئات بل الآلاف إلى الطرد والإقصاء من مختلف الدوائر وبالخصوص دوائر الأمن والعسكر..

ونحن نعتقد أن هذا التوجه الحكومي، لا يعالج الأزمة السياسية التي تشكلت في تركية بعد فشل الانقلاب العسكري، وإنما تؤدي إلى تفاقم الأزمة ووصولها إلى مديات واسعة ليست من مصلحة الاستقرار السياسي العميق في تركية..

فجماعة فتح الله غولن جماعة تركية وملتزمة بالدستور التركي، وتتعرض إلى نزعة استئصالية شرسة من قبل أجهزة الأمن التركية..

ولا يصح سياسياً واجتماعياً التعامل مع هذه الجماعة وغيرها بنزعة الإقصاء والطرد من دوائر الدولة التركية..

ونحن نعتقد أن الجماعات الصوفية والخيرية والخدمية، لا يمكن التعامل معها بمشرطة أمنية شديدة، لأن ذلك سيساعدها على الاختفاء والتحول التدريجي إلى جماعة سرية، مما يجعل من خطرها شديداً وخطيراً..

ومهما اختلفت الحكومة مع تيار أو جماعة، فإن بقائها مكشوفة هو أفضل الحلول.. ولا ريب أن الاعتقالات والطرد من مؤسسات الدولة وتعريضهم للمحاكمات فإنه سيدفع البقية أو بعضهم في أقل تقدير إلى النزول إلى العمل السري والخاص، وهذا ضرره على الأمن أكثر وأعمق..

ومن المؤكد أن تحميل جماعة غولن كل المسؤولية على الانقلاب العسكري الفاشل، يتطلب من الحكومة التركية تحويل هذا الأمر من الاتهام الأمني والسياسي، إلى الأجهزة القضائية للبت في هذا الأمر.. حتى لا تتشكل في الواقع التركي حالات سياسية تشعر بالمظلومية وأنها تتعرض مكايدةً للاتهام الأمني والسياسي..

ولو تعمقنا قليلاً في ظاهرة العنف السياسي في أي دولة.. سنجد أن الخطوة الأولى في تأسيس هذه الحالة هي تعريض بعض الجماعات الدينية والسياسية إلى الاضطهاد والطرد والإقصاء.. وهذه الممارسات ومتوالياتها، تؤسس إلى البذور الأولى لظاهرة العنف السياسي..

صحيح أن جماعة غولن لا زالت جماعة مدنية وبعيدة كل البعد عن العنف ومقدماته. ولكن طرد هذه الجماعة من الحياة الوطنية والمدنية، سيقرأه بعض المهمشين أو المتضررين بطريقة تؤسس لبعضهم حقهم في رفض الخيار الممارس ضدهم، وهذا يفضي بطريقة أو أخرى إلى كل المقدمات التي تشرع سياسياً وليس قانونياً لممارسة العنف السياسي..

وعليه فإننا ندعو الحكومة التركية إلى معاودة النظر في سياسة الإقصاء والاستئصال التي تتعرض إليها جماعة فتح الله غولن..

ونرى أنه مهما كانت أخطاء أو خطايا هذه الجماعة، إلا أنها على المستوى الاستراتيجي هي العمق الديني والاجتماعي لحزب العدالة والتنمية.. وإن إقصاء ومحاربة هذه الجماعة، هو إضرار مباشر بحزب العدالة والتنمية..

لأن كل الأنشطة الدينية والخيرية والإنسانية التي تقوم بها هذه الجماعة، يخدم حزب العدالة والتنمية.. ولا يصح سياسياً إقصاء هذه الجماعة من الحياة الوطنية التركية..

ونرى أن استمرار الحكومة التركية في عملية الطرد والاعتقال، سيؤسس لمناخات سياسية واجتماعية ليست صحية في الحياة الوطنية التركية..

والتفكير في رؤية مختلفة ومقاربة جديدة في التعامل مع جماعة فتح الله غولن هو أفضل للطرفين..

فالحكومة أو حزب العدالة والتنمية، لا يعمل بشكل منهجي على تضعيف حالة الإضرار بجماعة إسلامية تقدم خدمات تعليمية وخيرية للمجتمع التركي..

وجماعة فتح الله غولن تلتزم بكل قرارات الدولة التركية.. وليس من مصلحة تجربة حزب العدالة والتنمية، التأسيس إلى نموذج يقصي من اشترك وإياهم، في تعزيز الحالة الدينية في تركية، وعملوا معاً في إبراز الخصائص الدينية والإنسانية والخيرية في المجتمع التركي.. ونرى أن استمرار سياسة الإقصاء، سيضر بالدرجة الأولى بحزب العدالة والتنمية والحكومة التركية.. وهذا الأمر هو الذي يفسر صمت بعض المعارضة التركية على الخطوات الاستئصالية التي تقوم بها الحكومة التركية..

فمن مصلحة بعض المعارضين، تسهيل القضاء على جماعة غولن.. لأنهم ينطلقوا من مرجعيات فكرية وأيدلوجية مختلفة ومتناقضة مع المرجعية الفكرية لجماعة غولن..

ومن المؤكد أن الاستمرار في توتيرالأجواء في المجتمع التركي، لا تنفع إلا المعارضين، الذين يتمنوا أن تفشل تجربة حزب العدالة والتنمية..

ويتحمل أصدقاء حزب العدالة والتنمية في العالم العربي، مسؤولية تقديم النصح إلى قيادات حزب العدالة والتنمية تجاه بناء مقاربة جديدة في طريقة التعامل مع جماعة فتح الله غولن.. فهي في الأخير جماعة إسلامية ولا يصح التعامل معها من قبل جماعة إسلامية أخرى وتتبنى مسؤولية إدارة وحكم بلد بحجم تركية التعامل بخيار النبذ والإقصاء والاستئصال..

وكلنا يدرك ويعلم أن خيار الاستئصال، لا يعالج المشاكل والأزمات السياسية، وإنما يفاقمها، ويوفر لها مبررات الاستمرار مهما كانت حالة الإقصاء ونزعة الاستئصال.. وعلى المستوى الاستراتيجي لا أحسب أن القضاء على جماعة غولن سيكون مفيداً لحزب العدالة والتنمية، وإنما سيضعفها اجتماعياً ودينياً وهذا بدوره سينعكس على قوتها السياسية والشعبية..

وهذا لا يعني تبرئة هذه الجماعة من الأخطاء الدينية أو السياسية، ولكن بإمكان حزب العدالة والتنمية أن يعمل بطريقة مختلفة لمعالجة الإشكاليات والأزمات التي صنعتها جماعة فتح الله غولن..

وجماع القول: إن العمل على طرد هذه الجماعة من الحياة المدنية والسياسية والوطنية في تركية، سيعالج أزمات تركية الحالية، فأدعو إلى خيار التلاقي والتفاهم مع هذه الجماعة، بدل شيطنتها وطردها من الحياة الوطنية التركية..

2 قتل السفير الروسي والتعبئة الأيدلوجية:

على المستوى النظري، الدولة - أية دولة - معنية بتنفيذ رؤيتها ومشروعها في الوجود السياسي، سواء في داخل بلدها أو خارج البلد، بما ينسجم ورؤيتها ونفوذها السياسي الإقليمي..

وبالتالي فإن مؤسسة الدولة، أكثر برودة في تعاطيها السياسي، مع كل ما يستفزها سواء على المستوى الداخلي أو الدولي..

بينما عالم الأفراد أكثر قدرة على التعبير عن مصالحها بطريقة أكثر سرعة وحيوية من عالم الدول..

وعلى ضوء هذه الحقيقة تبرز مشكلة عملية في واقع الدول سواء كانت هذه الدولة إسلامية أو غير إسلامية مع حالة التعبئة الأيدلوجية، التي تدفع عالم الأفراد لاتخاذ موقف على ضوء التعبئة الأيدلوجية التي تغذي عالم الأفراد كما تغذي عموم الشعب.

لذلك يبرز التباين في طريقة تعاطي أجهزة الدولة الرسمية مع المسائل الأيدلوجية أو السياسية التي تهم الدولة، وبين عالم الأفراد الأكثر سهولة في التعبير عن ذاته بما ينسجم مع مصالحه الحيوية والحياتية المختلفة..

أسوق هذا الكلام لإبراز معضلة تصيب أية دولة وبين شعبها في ذات القضية.. وهذا هو الذي يدفعنا للتعبير عن عملية قتل السفير الروسي قبل أسبوعين من قبل رجل أمن تركي..

وهذه العملية الأمنية القاتلة للسفير الروسي، أعادت مجدداً هذه المسألة، وكيف تعاطت الدولة وكيف تعاطى الأفراد على ضوء عملية التعبئة الأيدلوجية التي عبر عنها قاتل السفير بعد لحظات من عمليات القتل..

فتركية الدولة والمجتمع، وقف مع الثورة السورية في كل مراحلها.. وعبر الجميع وفق الطاقات والقدرات عن هذا التعاطف خلال الخمس سنوات الأخيرة.. أي منذ انطلقت عملية الثورة في سورية.. ولكن الدولة التركية تتعرض لضغوطات سياسية مختلفة لا يتعرض إليها عالم الأفراد..

ومنذ بدأ اللقاء الروسي - التركي، بدأت عملية التوافق السياسي تبرز في المشهد العام.. وأصبح هذا التوافق الروسي - التركي يعبر عن نفسه بما ينسجم ومصالح الدولتين الروسية والتركية..

وعلى ضوء هذا التوافق بدأ الموقف التركي يتغير سياسياً وأمنياً واستراتيجياً.. وبدأت الحكومة التركية تعبر عن مصالحها ومخاوفها على ضوء ومعطيات التوافق مع الروس..

ولكن الشعب التركي لم يخضع لذات الضغوطات السياسية التي تعرضت إليها الحكومة.. وهذا التباين أو اللا انسجام بين الحكومة التركية وطبيعة التعبئة الأيدلوجية التي تعرض إليها الشعب التركي هو المسؤول الأول عن عملية الاغتيال التي تعرض إليها السفير الروسي في تركية..

فرجل الأمن التركي القاتل للسفير، عبر بعد عملية القتل للسفير، عن طبيعة الرؤية الأيدلوجية التي يحملها في الملف السوري..

وهي رؤية في مرحلة زمنية سابقة، كانت منسجمة مع رؤية الحكومة التركية.. ولكن رؤية الدولة لا تبقى أيدلوجية، وإنما تتحول على ضوء المصالح والمعطيات إلى التبدل والتغير.. وهذا التبدل في تقديرنا هو المسؤول الأول عن عملية قتل السفير الروسي في تركية..

فالدول بطبيعتها أكثر قدرة على الالتزام مع المعطيات السياسية الجديدة.. بعكس عالم الأفراد الذي يبقى متمسكاً برؤيته الأيدلوجية والسياسية معاً.. دون الخضوع لمقتضيات التحول والتغير على مستوى المصالح أو الرؤية..

لذلك فإن التعبئة الأيدلوجية التي يتعرض إليها الشعب في مرحلة زمنية محددة، قد تكون متناغمة مع التحولات السياسية التي تخضع لها الدولة بطبيعة الحال..

فالحكومة التركية لعوامل عديدة مرتبطة بالمصالح التركية عبرت عن بعض التحول سياسياً، دون أن تسند هذا التحول السياسي برؤية أيدلوجية جديدة أو مختلفة، والرؤية الأيدلوجية التي عبرت عنها كل الأطياف التركية تجاه ملف الثورة السورية.

من هنا فإننا نعتقد أن المسؤول الأول عن عملية قتل واغتيال السفير الروسي، هو طبيعة التعبئة الأيدلوجية التي خضع الشعب التركي لها.. وإن ردود الفعل التي يقوم بها الشعب ليست بالضرورة على ضوء مقاس ومصالح الدول..

وعلى ضوء هذه الحقيقة، نتمكن من القول أن عملية اغتيال السفير الروسي في تركية عملية سياسية، وكل الفضاء الأيدلوجي والسياسي التركي يتحمل مسؤولية مباشرة عن عملية الاغتيال..

لأننا نعتقد أن عمليات التعبئة الأيدلوجية التي يتعرض إليها أي شعب من الشعوب، قد تدفع بعض الأفراد للتعبير عن موقف عملي ليس منسجماً مع مصالح الدولة التي اشتركت في عملية التعبئة الأيدلوجية..

وعلى ضوء هذه الحقيقة فإن حزب العمال الكردي وجماعة فتح الله غولن، لا يتحملون أية مسؤولية عن عملية اغتيال السفير الروسي..

واستمرار الحكومة التركية في اتهام هؤلاء لا ينهي المشكلة الحقيقية التي ستعاني منها الحكومة التركية في المرحلة المقبلة..

فالتحول السياسي التركي المتدرج في الملف السوري، ومغايرة الرؤية السياسية، دون الإفصاح السياسي الدقيق، سيفضي إلى متواليات سياسية عديدة ومن ضمنها اغتيال السفير الروسي..

فالمقولات الأيدلوجية والشعارات الثورية التي أطلقها قاتل السفير لا تنسجم مع شعارات حزب العمال الكردستاني، كما لا تنسجم مع مقولات جماعة فتح الله غولن. وإنما هي تنسجم مع المشروع الأيدلوجي التي دخلت على ضوءه الحكومة التركية في الملف السوري.. وتبنت الحكومة التركية موقف ومشروع تغيير النظام السياسي في سورية..

فالإستدارة السياسية التركية في الملف السوري، هو الذي يتحمل المسؤولية الأولى عن عملية قتل السفير الروسي.. وستبقى تركية في تقديرنا تعاني هذا التباين على ضوء التعبئة الأيدلوجية التي تعرض إليها الشعب التركي في الملف السوري..

3 حزب العدالة والتنمية ومخاطر الزعيم الأوحد:

من المؤكد أن حزب العدالة والتنمية التركي، يعد إضافة نوعية للمشهد السياسي والاقتصادي التركي.. وإن وصول هذا الحزب إلى الحكومة يعد انتصاراً هاماً له، ولم يخيب هذا الحزب الجمهور التركي الذي صوت له. ولكن ثمة عوامل وأسباب عديدة، تعتبر من عوامل ضعف هذه التجربة، وإن هذه العوامل تساهم في تقليل فرص هذا الحزب في إدارة تركيا لفترة زمنية طويلة.. ولعل من أهم عوامل الضعف في هذه التجربة الحزبية والسياسية هو سيطرة السيد أردوغان على كل مقاليد الأمور في هذه التجربة، وضيق صدره بالمختلفين معه، سواء في إدارة حزب العدالة والتنمية أو وزراء أساسيون في الحكومة التركية، مما يساهم في إضعاف هذه التجربة وتآكلها الداخلي..

فالسيد أردوغان بنزعته الإمبراطورية والآحادية، بدأ بإخراج كل كفاءة بشرية تختلف معه سواء في السياسات أو الأولويات.. فرئيس الجمهورية السابق السيد عبدالله غل ولأسباب تتعلق بخلافه مع السيد أردوغان تم إخراجه من المشهد السياسي والحزبي.. وبوادر خلاف السيد أردوغان مع السيد داوود أوغلو رئيس الوزراء التركي ستنتهي وفق كل الاحتمالات إلى تهميش السيد رئيس الوزراء كمقدمة لإنهاء خدماته في الحكومة والحزب.. وهذا يعد تضعيفاً للتجربة السياسية والحزبية وتقصيراً لمدة هيمنة حزب العدالة والتنمية على المشهد السياسي التركي.. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول أن نزعة الزعيم السياسي الأوحد والسيطرة الشاملة على مقدرات الأمور من قبل شخص واحد مهما أوتي من قوة وقدرات، يعد من أهم المشاكل السياسية والحزبية التي تساهم في حرق الكثير من عناصر القوة والحيوية في كل التجارب السياسية.. والمحب للتجربة السياسية لحزب العدالة والتنمية عليه أن يدرك أن تشجيع الأتراك على نهج مسك كل عناصر القوة بيد شخص واحد من الخطايا التي تقلل من عمر الكثير من التجارب السياسية والحزبية في العالمين العربي والإسلامي..

صحيح أن السيد أردوغان يمتلك كل إمكانات الزعامة السياسية، ولكن ليس من المصلحة الراهنة والمستقبلية هيمنته على كل شيء في الحياة السياسية والحزبية.. وإن حزب العدالة والتنمية يمتلك الكثير من الوجوه والقدرات السياسية والإدارية القادرة على تسيير الشؤون السياسية والحزبية، ولكن ضيق صدر السيد أردوغان بالمختلف يجعل في الأخير كل المقربين منه هم من ذوي الولاء وليس من ذوي الكفاءة، مما يقلل من فرص التميز لهذه التجربة السياسية.. وحزب العدالة والتنمية مع احترامنا التام لتجربته السياسية، إلا أنه على المستوى الواقعي ليس صانعاً للدولة التركية والديمقراطية في تركيا.. وإن أغلب المنجزات التأسيسية التي سمحت لحزب العدالة والتنمية من الوصول إلى الحكم، ليست من صناعته، وإنما الأحزاب السياسية الأولى في جمهورية تركيا هي التي صنعتها، ويعود الفضل السياسي لها..

فحزب العدالة والتنمية ليس صانعاً للديمقراطية والتداول السياسي في تركيا، وإنما مؤسسو التجربة الجمهورية في تركيا، هم الذين صنعوا الديمقراطية والعلمانية في تركيا..

فحزب العدالة والتنمية ليس صانعاً للتجربة، وإنما هو أحد الأطراف السياسية المستفيدة من هذه التجربة.. صحيح أن هذا الحزب قدم إنجازات ومكاسب سياسية واقتصادية كبرى لجمهورية تركيا، إلا أن هذا الحزب هو أكبر المستفيدين من النموذج التركي التأسيسي.. لهذا فإننا نرى أن كل النزعات الآحادية في التجربة الحزبية التركية، تعد من نقاط الضعف الكبرى التي تساهم في عدم نجاح هذه التجارب السياسية والحزبية..

صحيح أن السيد أردوغان يمتلك كل شروط الزعامة السياسية، إلا أن عقلية الاستحواذ والهيمنة التامة على السلطات، لا ينسجم والعقلية الديمقراطية التي يتحدث حزب العدالة والتنمية باسمها، ولا يليق لأي مشهد سياسي - ديمقراطي أن يسيطر الفرد مهما أوتي من إمكانات وقدرات على المشهد كله..

ولعل من أهم المخاطر التي تواجه حزب العدالة والتنمية، هو أن يصر القائد التاريخي لهذه التجربة وهو السيد أردوغان على تطبيق أجندته السياسية بمعزل عن حالة الشراكة من كفاءات ووزراء حزب العدالة والتنمية.. وإعلان السيد رئيس الوزراء على الاستقالة يؤكد هذه المعضلة، مع أن بيان السيد داوود أوغلو الذي أعلن فيه الاستقالة حاول أن يغطي أسباب الخلاف السياسي بمقولات دبلوماسية عامة.. والأحزاب السياسية القوية، هي التي تحظى بمجموعة قيادية متكاملة وقوية في آن واحد.. والعمل على ضرب الشخصيات القوية في حزب العدالة والتنمية لصالح الزعيم التاريخي، لا يعد من الخطوات الإيجابية. وتكرار هذه التجربة مع الرئيس عبد الله غل ورئيس الوزراء داوود أوغلو يؤكد أن هذه التجربة بكل كارزمياتها وعناصر قوتها وحيويتها الإدارية بدأت تقع في ذات الأخطاء التي تقع فيها الأحزاب التي لا تتحمّل إلا شخصية قوية واحدة.. وإن طرد أو إقصاء القيادات الأخرى التي تحمل رؤية مختلفة يعد إفقاراً حقيقياً لهذه التجربة السياسية الرائدة.. لهذا فإننا نعتقد أن هذه المسألة، تعتبر نقاط سوداء في هذه التجربة السياسية التي حققت الشيء الكثير لجمهورية تركيا.. وبحكم الموقع السياسي الذي يتبوأه حزب العدالة والتنمية، فإن أي خلاف في وسطه، سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد التركي.. لذلك ومنذ إعلان السيد داوود أوغلو استقالته من رئاسة الوزراء تم تراجع ضخم في الليرة التركية..

نقول كل الكلام أعلاه لنجاح هذه التجربة السياسية، ولأهمية استمرار نجاح هذه التجربة.. لأن هذه التجربة ستنعكس فكرياً وأيدلوجياً على كل الجماعات الإسلامية العربية..

ومن المؤكد أن استمرار نجاح هذه الجماعات تنموياً وديمقراطياً، يعد من المكاسب الهامة لكل دول العالم الإسلامي.. وفق هذا المنظور نحن نقرأ التجربة التركية، ونتطلع إلى اكتمال عناصرها وخلوها من العيوب النوعية..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».