آخر تحديث: 19 / 9 / 2019م - 11:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

إقطاعي حزيران

يقذف شهرُ حزيران لهبَ الحرارةِ كما كان يقذف في وجهِ والدي التعبَ والنصبَ قبل أكثرَ من ستينَ سنة. تمر ذكراهُ في شهرِ حزيران وهو يترقب نضوجَ الرطبِ بكل ألوانه وَمذاقاته. ليس من باب دعابةِ الذكريات، ولكن من بابِ الذكريات التي عليك أن تهربَ منها أميالاً ما استطعت، وتدعو ألا يعودَ الزمن بمثلها. وأنا أكتبُ هذه الذكريات، كثيراً ما سألتُ نفسي: لم تقص أخبارَ بؤسك على الناسِ وهم لم يعرفوه ولم يعيشوا ذلكَ الحرمان؟ وكأن صوتاً من بعيد يشبه صوتَ والدي يقول: لكي لا تنسى الفروعُ أصولها وتظن أنها هبطت على الأرضِ مثل النيازكِ والشهب، ولأن الحياةَ لا تعطي ضماناً لأحد فكم غنيٌ افتقر وفقير استغنى، وليس فقط الأفراد، بل حتى المجتمعات والدول والحضارات يصيبها ما يصيب الأفراد، فهذه الذكرياتُ هي أجراسٌ تبعدني من العودة للماضي.

كان والدي يشبه الإقطاعي دونَ أن يملكَ بيتاً أو مزرعةً بحيث لو سألتَ أخوتي كلهم: أين ولدوا سوف يجيبك كلٌّ واحدٍ منهم أنه ولد في مزرعةٍ كبيرة. كان يعمل لديه أُجراء في طولِ السنة، وإن لم يكن هناك أُجراء كانت أمي وأخوتي وأنا هم من يرأسهم والدي. يأتي شهرُ حزيران ويقطع والدي عدداً من جريدِ النخل في حوالي متر ونصف ويخلصها من الأشواك، حتى إذا كان قبيل نضوجِ الرطب كانت كل جريدةٍ لزبونٍ يأتي كل يوم أو متى ما احتاج رطباً، يأتي بسلةٍ يملأها والدي من النخلاتِ التي يعرفها أكثر مما يعرف أبناءه. لا يحتاج والدي أن يزن السلة، فلطول ما ملأها كاد يعرف وزنها بعينيه. وعندما يأخذ الزبونُ السلة يجرح والدي الجريدةَ جرحاً صغيراً، وهكذا يعرف كل منهما كم من الرطبِ اشترى الزبون. وللأمانةِ يحتفظ الزبونُ بالجريدة!

كم أعجبني في براءةِ الطفولة نقابُ النساء الذين يأتينَ من دارين لا أرى إلا عيونهن السود وسط البياضِ اللامع الذي كان يزين المجتمعاتِ دون الغوصِ في المعتقدات والفروقات. كُنَّ يمشين من دارين حتى يصلن المزرعة تحدوهنَ العودةُ وعلى رؤوسهنَ سلالٌ مليئةٌ بالرطبِ الذي اختاروه يوم أمس. لم يكن إنزال الرطبِ سهلاً، لكن مهارةَ والدي الذي كان يرتقي النخيلاتِ الطويلة حافي القدمين ومقدرته أن ينزلَ كميةً كبيرةً من الرطب في زنبيلٍ على عمامةٍ فوق رأسه أمكنته من القيامِ بتلك المهمة الصعبة. أشهرٌ قليلة وينتظم البيتُ كله في حفلةِ صرام النخيل، رحلةٌ شاقة كان بالنسبة لي فيها شيء من المتعة أن أكون قائدَ الحمارةِ والعربة مع والدتي وأخواتي كل يومٍ نجمع الغلةَ التي تبقينا أحياءً طوال الشتاء.

لم يكن والدي استثناءً من الفلاحين قديماً أو حديثاً، حيث يبقى الزارعُ هو من يزرع ويتعب، يحكي حكاياتِ الشقاء لكل الأشجار في الحقلِ كل يوم، يكسب القليل إلا إذا كان شركةً تبيع المستهلكَ القليلَ والرديء مقابلَ المالِ الوفير. يدرس البشرُ علوم من سبقهم ومن عاصرهم وكل دقائق سلوك الإنسان والمجتمعات الماضية والحاضرة فيما هم غافلونَ عن تعلم الدروس من ذواتهم التي هي أقرب إليهم من كلِّ الناس، فتراهم يعيدونَ كل الأخطاءِ التي منعتهم أن يكونوا أفضلَ وأجملَ وأسعدَ مما هم فيه...

مستشار أعلى هندسة بترول