آخر تحديث: 16 / 7 / 2019م - 10:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العفو عند المقبرة

رائدة السبع * صحيفة الرأي السعودي

«البنصر الذي فصل موظفًا في دبي»، حدث هذا في مطار دبي تحديدًا، حيث كان أحد الأصدقاء يقف في «طابور» انتظار سيارات الأجرة متوجهًا لإحدى البوابات ورفض السائق أن يقله بحجة أن قيمة الأجرة ستكون قليلة مقارنة بقيمتها لداخل دبي، بين شد وجذب تحركت سيارة الأجرة بينما صديقنا يمسك بقبضة باب السيارة، مما أدى لحدوث قطع في السطح الخارجي لإصبعه.

تجمهر الناس وتم استدعاء رئيس شرطة المطار ونائب مدير المطار ومدير شركة الأجرة، وتم نقله للمستشفى وعمل اللازم، تم وضع اسم السائق في قائمة غير المرحب بهم في دبي والبدء في إجراءات ترحيله، وتم التنازل من قبل صديقنا لكن الإجراء الإداري تم اتخاذه.

إشكالية الصفح هنا بوصفه تصرفًا أخلاقيًا، وهل يجوز الصفح خاصة عندما لا يسعى مقترف الجريمة بطلب الصفح ولا في الحصول عليه كما حدث مع سائق الأجرة، إذ إنه لم يظهر أي نوع من أنواع الندم.

يفترض أن الصفح بِعَدِّه شيئًا إنسانيًا هو دومًا ملازم لإمكانية المعاقبة، لكنه طبعًا غير ملازم للانتقام، الذي يُعدّ شيئًا غريبًا عن الصفح على حدّ قول «آرندت»، بل هو ملازم للمعاقبة «يعد العقاب إمكانية أخرى غير متناقضة بأيّ حال من الأحوال، إنه يشترك مع الصَّفْح في كونه يحاول وضع حدّ لشيء، أن يكون البشر عاجزين عن الصفح عما لا يستطيعون أن يُعاقبوا عليه، وأن يكونوا غير قادرين على المعاقبة على ما يتبيّن أنه لا يقبل الصفح».

وهو ما يرتبط في شكل وثيق بمفهوم الجاني والضحية، فالبعض يشرط الصفح بتوبة الجاني وعلنيتها، وعليه أن يصلح نفسه، ويطلب الصفح، وأن يتغير وفقًا لذلك بموجب التزام، بحيث لا يصبح هو الشخص ذاته الذي اقترف الجرم أو الخطأ.

لكن «دريدا» في كتابه الصَّفْح يعقّب: «هل يستقيم إذًا وفقًا لذلك أن نتحدث في هذه الحالة تحديدًا عن الصفح؟ سيغدو الأمر صفحًا ولكن ليس عن الخطيئة»، إذ ينبغي على العكس من ذلك أن نصفح عن الخطأ وعن الجاني بما هي كذلك، بحيث يظل كلاهما بصورة لا تقبل الانعكاس، تمامًا كالشر، محتفظًا بقدرته على العودة مجددًا في شكل لا يقبل الصفح بلا تحول ولا تحسن، ولا توبة أو وعد، فالصفح يجب أن يتوجه إلى ما يقبل الصفح، إنه الصفح بلا قيد أو شرط.

من الخطأ أن نعتقد أنه بإمكان أي شخص أن يصلح ما سببه من أذى عن طريق الندم والأسف مرارًا، بل يجب على المرء استحقاق الصفح بأفعاله، بتقديم أمور تحمل معنى أَسفه.