آخر تحديث: 28 / 2 / 2020م - 1:59 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حياتنا في زمن التكنولوجيا

عباس سالم

غيرت ثورة التكنولوجيا اليوم الكثير من أسلوب حياتنا وعاداتنا، تركنا صداقة الأحباب وأصبحنا نعيش صداقات مع عالم افتراضي فرضته علينا أجهزتنا الذكية التي ترافقنا أينما كنا، حتى في غرف نومنا لا نستطيع الخلود إلى النوم من غمزات شاشاتها..!!

الكثير من العادات الاجتماعية الجميلة التي كانت في مجتمعنا أهملناها أو تركناها، فلا مجالس مفتوحة بين الجيران ولا زيارات بين الناس في الفرچان والأبواب مغلقة، وأصبح الجار لا يعرف عن جاره شيئاً والأولاد بين الأحياء لا يعرفون بعضهم بعضا، وأصبح الأهل لا يتحدثون مع أبنائهم والأبناء لا يطيقون الحديث مع أهاليهم، أصبحنا في عزلة اجتماعية وانشغالات بلا فائدة، وهمجية بين الأطفال ونزول مخيف في مستوى التعليم وعزوف عن القراءة وانعدام للمواهب بين الطلاب والطالبات في المدارس.

أيها الآباء وأيتها الأمهات انتبهوا لصغاركم من مرض خطير يصاب به الأطفال اليوم أكثر من أي وقت مضى اسمه «الإدمان الإلكتروني»، فالأجهزة الذكية التي بين أيديهم هي أسرع الطرق إليه! لذلك تعالوا بأطفالكم إلى مجالس الذكر في المساجد والحسينيات لكسب العلم والمعرفة ولغرس القيم والمبادئ الإنسانية فيهم، واتركوهم يتخالطون ويلعبون مع جيرانهم في الملعب أو مع أصدقائهم في النادي والمدرسة بدلا من أن يكونوا بين الجدران والجهاز بأيديهم من دون رقيب.

إن أجهزتنا الذكية وما فيها من إباحيات وفجور وتهاون بزنا العين والسمع جعلتنا نحن البشر أغبياء في زمن التكنولوجيا! عندما يأتي الأب بجهاز لفلذة كبده الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره هذه هي المصيبة، والطامة الكبرى عندما تكون فتاة في ربيع عمرها وتملك جوال ولديها جميع برامج التواصل الاجتماعي فقد ضاعت..!! وأنت من أجرمت في حقها، فهي على اطلاع على كل ما تتخيله وما لا تتخيله في جهازها، واعلم اذا لم يملك طفلك جهازاً فهو ليس محروماً بل أنت قد منحته الحياة الصحيحة.

أيتها الأم اعلمي إن انشغالك عن أطفالك بجهازك سوف يحرمك الاستمتاع بطفولتهم واللعب معهم ومنحهم حنانك وتعليمهم كيف يكونون أشخاصاً مميزين، وهنا أتساءل: هل طفلك يقرأ كتباً؟ هل له موهبة غير ألعاب الفيديو؟ هل أنتِ تتحدثين معه كثيراً؟، لقد انعدمت هذه الصفات في أمهات هذا الجيل، ماذا سيتذكر أطفالنا منا غير أننا كنّا وفرنا بين أيديهم أحدث الأجهزة الإلكترونية، وجعلناها سبباً للإدمان عليها، حياتنا مأساوية اليوم في ظل التطور التكنولوجي، بالرغم من أهميتها الكبيرة التي للأسف لم نستثمرها الاستثمار الصحيح في حياتنا، بل جعلناها نقمة وجحيم علينا.

الحكايات والقصص التي كنا نسمعها من الجدَّات والأمهات ونحن نحيط بهم كالحلقة قد انتهت! لم نسمعها اليوم في ظل انشغالنا بأجهزتنا الذكية داخل منازلنا، وأصبحنا لا نتحدث مع بعضنا البعض عندما تجتمع العائلة، تركنا من هم أحق بالصحبة وهم الوالدان والأخوة والأرحام والجيران وأصدقاء الدراسة ومن علمونا معنى الحياة، وذهبنا إلى الصداقات الإفتراضية في العالم الافتراضي التي يكثر فيها الكذب والنفاق!

لم نعد نعيش ونمارس ونستمتع بالحياة بكل ممكناتها وطاقاتها كما ينبغي، الناس في المجتمع أصبحوا كائنات إلكترونية يمشون منكسي الرؤوس في الأجهزة التي بين أيديهم في كل مكان، لقد أربكنا ضوء أجهزتنا الذكية، وأتعب أعيننا بشاشاته الصغيرة، وسرق عمق أفكارنا بسطحيته، وقلل اتساع رؤانا بضيق عوالمه، وأربك ثبات خطواتنا بسرعته، لقد تعلقنا بعوالمه الرقمية أكثر مما يجب، وأصبح لزاماً علينا أن ننتبه قليلاً لهذا!

أنا لا أقول ولا أحث في مقالي هذا إلى عدم استخدام الأجهزة الذكية بل على العكس من ذلك، ولكن بالمعقول لا طوال اليوم، ولا أثناء قيادتنا للسيارة، ولا في دور العبادة، ولا عند جلوسنا مع الوالدين لكي لا نفقد حلاوة الحديث معهما، ولا في المجالس والديوانيات التي نستمع فيها لسوالف الآخرين، والجميع يعرف هي طفرة تكنلوجية دخلت علينا من أوسع الأبواب فلا دخل لنا في صناعتها ومعرفة الأجهزة الدقيقة فيها، ولا حتى في صناعة الأغلفة الحافظة لها.

حقيقة القول إن هذه ليست هي الحياة ولا تشبه الحياة في شيء، فالحياة هي دبيب خطوتك على الأرض، وابتسامتك في وجه الوالدين وانحناؤك لتقبيل يديهما، وتسامحك مع الآخرين في المجتمع، وكلامك مع الله تعالى في صلاة الفجر، ودعوات الأمهات لأبنائهن العاقين، ورجل مسن يذهب للحياة التي عاشها يوماً، ليجعل الماضي يمكث زمناً أطول لأنه لا يحب حاضره الذي كثر فيه الكذب والنفاق والخيانة في زمن التكنولوجيا..!!