آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 10:57 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الجهل بسير العلماء

علي عيسى الوباري *

يقول النبي الأكرم ﷺ ”ما قبض الله عالماً، إلا كان ثغرة في الإسلام لا تسد“.

كلما بذل الإنسان جهدا في سبيل المجتمع وقدم رسالة مباشرة إلى الناس بالفكر والجهد اصبح شخصية عامة وتنمو علاقة الناس به كلما زاد عطاؤه وأخلص بعمله وجهده، يصدق هذا القول على العالم الرباني الفقيه الذي يعتبر رسالته الحياتية جزءً من حياة المجتمع فكرا وعملا ومن عطائه وجهده تتعزز علاقته بمن يستفيد من فقهه وحركته وعلمه الديني في منفعة الناس فتصبح رسالته وحياته قاسما مشتركا مع المؤمنين والمجتمع يحق لهم أن يستفيدوا من مشواره العلمي ورسالته الدينية والأجتماعية.

لو نحسب عدد العلماء والشيوخ المنتمون للحوزة الذين حققوا انجازا تعليميا متقدما في المنطقة يبقوا قليلون خصوصا هؤلاء اصحاب العطاء في خطاب المنبر الحسيني وَالخطاب الديني التوعوي من خلال المساجد وبالمناسبات الدينية والثقافية.

في مدة محدودة فقد المجتمع بالمنطقة عدد من هؤلاء أصحاب الأيادي البيضاء الفاعلون المضحون بأوقاتهم وجهدهم على حساب صحتهم وعوائلهم، يكفي من عطائهم تحمل مسئولية التعلم والدراسة في دول بعيدة عن أوطانهم عانوا من أجراءات السفر والترحال بذلك الوقت من مدينة علمية إلى أخرى التي يُشهد لها بالتعليم الحوزوي التخصصي المتميز بواسطة مراجع ومجتهدين وعلماء اساتذة في العلوم الدينية.

هذه الثلة العلمية تركوا الراحة وركبوا سفينة المعاناة في بحر العلم المتلاطم بمخاطر متطلبات الإنجاز والتوفيق باجتياز الدروس الحوزوية تحت ظروف مادية صعبة وحرجة للأغلب أو الرجوع بالأخفاق، هذه الإرادة التي تميزوا بها الأوائل أعتبروا رسالة التعلم والتثقف الديني واجبا ذاتيا ليعودوا إلى بلدانهم الأصلية ليعلموا مجتمعاتهم بما هم مبتليين به في الأحكام الشرعية وما يغيب عنهم في شئون العقيدة والدين، هؤلاء الرساليون تنقلوا بين المدن والقرى بعد رجوعهم مثل شيخنا الفاضل الراحل ابومحمد هلال المؤمن رحمه الله واسكنه فسيح جنانه رغم تاريخه الحوزوي القديم والطويل لم يأخذ حقه من معرفة المجتمع بسيرته، ليتعرف كل من أراد الدراسة الحوزوية على أصراره بالكسب المعرفي.

بعد موته تعرف المجتمع على جزء يسير من تاريحه العلمي، هذه القامة العلمية المتميزة يحمل تاريخ طويل في اجتهاده بحثا عن العلم متنقلا من موقع علمي إلى آخر في سبيل التحصيل العلمي التخصصي ليكون عالما ربانيا يخدم المؤمنين ويعلم ويوعي المجتمع عقائديا وفقهيا ويزودهم بسير الأئمة المعصومين ، شخصية دينية ظهرت سماته الأخلاقية ومستوى تعليمه الحوزوي من أساتذته البارزين الذين درس على أيديهم ونهل من معارفهم، اقتران اسم شيخنا الفاضل هلال رحمه الله برموز علمائية مراجع ومجتهدين هو بحد ذاته تاريخ وتميز لشخصه وعلامة فارقة تستحق الذكر والتوثيق لأنها تتضمن دروسا على حب التطوع والاجتهاد في مشروع التعلم الديني والتزود من أساتذته المثابرة والاجتهاد بالدروس الحوزوية.

الظروف التي سافر فيها الشيخ الفاضل المتواضع تعطي دلالات على أن هناك اشخاص رساليون مدفعون من داخل ذواتهم بتحمل الرسالة والمسئولية الشخصية من أجل الآخر يصدق عليها الإيثار الحقيقي والتضحية ونكران الذات والتحرر من ملذات الدنيا والتوجه لما هو أسمى، هؤلاء الرساليون بأي مجتمع قلة ونادرون رفضوا وتركوا خلفهم ما يغنيهم عن التعب والكدح وبأستطاعتهم - ولديهم القدرات - أن يتميزوا بالتعليم الدنيوي الذي من خلاله يكونوا في موقع مادي حسن واحسن حالاً، يتبأوا مناصب اجتماعية ووجهائية، لكنها المسئولية الذاتية اتجاه العقيدة ونحو المجتمع بالمبادرة بالسفر لكسب العلم والعودة للقيام بأدوار ومهام تعليمية وتثقيفية دينية في المجتمع طلبا لرضا الله والحصول على الثواب والأجر الأخروي، بعد هذا التعب والتضحية والعطاء في حياتهم، من المسئول عن جهل المجتمع بسير هؤلاء الناذرون أنفسهم لخدمة الرسالة الدينية والمجتمع لا يُعرفوا إلا بعد موتهم؟.

رحم الله الشيخ هلال المؤمن واسكنه فسيح جنانه.

‏مدرب بالكلية التقنية بالأحساء،
رئيس جمعية المنصورة للخدمات الاجتماعية والتنموية سابقا.