آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 5:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

إلى الصديق الخارج من طفولته 2

أثير السادة *

لقد تأرجحت طويلا على جسر الأمنيات، كفراشة أرهقتها وفرة الأزهار في فصل الربيع، تبحث عن بستان تأوي إليه، لا يعيش قلق الفصول وتحولاتها، كنت تبحث عن ربيع عمرك في خريف المكان، الضوء الذي أخرجك من دفاتر العتمه كان رفيقك في وحشة الإشارات، كانت خطاك ودقات قلبك عزفا على وتر الدرس الأول في موسيقى الماء، هذا الماء الذي كانت ضفاته تفيض بولع التراتيل، وسحر الأناشيد، ورشاقة الموسيقى.

غادرت حروب الناس على مهمل، وأنت تستدير باتجاه قلبك، تنسىى كل الضجيج الذي يطغى على ليل العازفين، وتعزف ألحانا مشتهاة من صمتك، تدخل إلى حلمك كلما جن ليل الفوضى من حولك، حتى لا تفسد هذه المسافة بينهم وبين ما تبقى من طيوف الأمل في روحك.

من غير قصد قايضت البقاء في جنة الأوهام بالسفر مع أسراب الطيور المهاجرة، خرجت من متن نصوصنا لتكتب على هامش الغربة نصك الجديد، أيها الرشيق في حضورك وغيابك، كانت السماء سقفك الذي تلوذ به في بياض الأمنيات، كغيمة تطلق للريح مواعيدها، أنت المشحون برائحة الأرض، انتهيت إلى كائن يسكن السؤال، ويعشق الترحال بعيداً عن بيته الأول.

اخترناك زيتاً لقناديل الليالي الموحشة، واخترت أن تجعلنا قلقاً مؤجلاً لأرض تخشى أن لا تعرفها ثانية، صرت ترنيمة الوداع للذين تدثروا بوعد لقاء لا يأتي، وهم يبحثون في انحناءة الشمس عن ظلك الموعود، عبثاً تحاول أن تنسى قبضة الباب الذي أوصدته في غيابك، وشرفتك الأثيرة التي تشتهي الليالي المقمرة، وعباءة أمك وهي تتمايل في لحظة الوادع، تطوي كل المسافات ولا تطوي الصور التي تملأ كأسك بالمزيد من الأسئلة.

ها أنت الآن تطفو على ملح ذكرياتنا، نبتل بصوتك على البعد، ونحلم بموج يهبك احتمالات الوصول، وها نحن نقدم اعتذاراتنا قرابين لتلك السفينة التي لا تنحني ولا تنطوي أشرعتها، عسى أن تعود إلى مرافئ الشوق، وتختصر كل تآويل الغياب.