آخر تحديث: 28 / 2 / 2020م - 1:59 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الخطيب ورسالة المنبر الحسيني في شهر محرم

عباس سالم

رسالة الخطيب التنويرية من على المنبر الحسيني في محرم الحرام، تتلخص بالإضافة إلى ذكر ما جرى على أهل البيت في كربلاء، إلى نشر الدين وترسيخه في عقول المسلمين وقلوبهم من خلال بيان المعارف القرآنية، ودفع الشبهات بالأدلة الوافية المقنعة.

وهو الدور الذي أناطه الله تعالى لرسوله ﷺ الذي هو أول من ارتقى المنبر في الاسلام وأقام المآتم على الحسين ، وقد شرح القرآن لنا دوره في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ حيثُ أشارت الآية الكريمة إلى أن الرسالة النبوية التي كان المنبر أداة فاعلة لتبليغها، ترتكز على ترسيخ الدين بتزكية النفوس وتنقيتها من أدران الظلمات، ومن الأمراض الاجتماعية والأخلاقية، وعرض معارفه القرآنية وغرس الحكمة في القلوب بمصاديقها المتنوعة علماً وعملاً.

إن الهدف الأسمى للحركة الاصلاحية التي قام بها الإمام الحسين ، هو حفظ الدين وترسيخه مقابل المنهج الأموي الذي كان قائماً على هدم ركائز الاسلام وقيمه متمثلة في الإمام الحسين ، كما يظهر من شواهد كثيرة تعرف بمراجعة النصوص التاريخية، وأن نهضة الإمام الحسين قامت على مواجهة ذلك المنهج الخطير، وتربية نفوس الناس على الورع والفضيلة والقيم المثلى التي من أجلها نهض الإمام الحسين بثورته.

رسالة الإمام الحسين وتضحيته كانت من أجل أسمى هدف وهو حفظ الدين عن الزوال والانحراف، ولولا تضحية الامام الحسين بتلك الصورة العظيمة في تلك المرحلة العصيبة لم يبق للإسلام أثر يذكر، لأن المخطط الأموي كان متقناً وأقرب من الوصول إلى أهدافه، وبما أن المنبر الحسيني هو امتداد ليوم الحسين فدوره ووظيفته تتمحور حول الدين ترسيخاً ودفاعاً وتعليماً وتربيةً.

المشاكل الاجتماعية التي تنخر في المجتمع ومشاكل الشبهات التي تدور في أذهان الشباب ومشاكل الطلاق التي تغص بها أروقة المحاكم اليوم، تعد من أهم الأمور التي يجب على خطباء المنبر الحسيني في أيام محرم الحرام التصدي لها، وأن يكون الخطيب المتصدي لتلك الحالات ودفع الشبهات والأفكار الدخيلة على المجتمع متضلعاً في هذا الباب متسلحاً بالخبرة ووفرة المعلومات، وإلا فإن ما يفسده بتصديه ربما يكون أكثر مما يصلحه، والمنبر الحسيني هو من أهم الوسائل المتاحة لدفع الشبهات عن العقيدة الحقة.

على الخطيب الحسيني أن يعرف كما هو معلوم أن لكل مقام مقالاً، ولذا فإن عليه أن يلاحظ المستوى الذهني والثقافي للمتلقين للخطاب، فلا يطرح من المعارف الدينية إلا ما ينسجم مع المستويات الذهنية للمستمعين بعيداً عن العصبية والتشدد، وأن يعتني بصياغة الشبهات وتوضيح الجواب عنها بمقدار نفوذها في أذهانهم، وكما ورد عن الرسول الأعظم «صلى الله عليه واله»: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى‏ قَدْرِ عُقُولِهِمْ».

في أيام محرم الحرام لا بد من أقصى الاستفادة من معين علوم أهل البيت «سلام الله عليهم» المأثور عنهم بالطرق المعتبرة والمصادر الموثوقة، وقد ورد عنهم «إِنَّ النَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ‏ كَلَامِنَا لَاتَّبَعُونَا»، وإن محاسن كلامهم هي منظومة فكرية متكاملة متنوعة المضمون كالقرآن الكريم، وفيها من روائع الحكم ومعالم الاخلاق وإثارة دفائن العقول ودفع الشبهات، وما ينير الإنسان المسلم ويجعله واثقاً بعقيدته ودينه.

وفي الختام على الخطيب الحسيني أن يهتم في خطابته بما سبق ذكره، كما عليه أن يهتم بذكر مصائب أهل البيت ، وما جرى عليهم في فاجعة كربلاء لما لذلك من تأثير بالغ في بقاء هذه القضية حية في نفوس الناس، ونسأل الله تعالى أن يوفق جميع الخطباء لأداء دورهم الرسالي على الوجه الأحسن ويسدد خطاهم في ترسيخ الدين وتزكية نفوس أهله إنه سميع مجيب.