آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:57 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 13

بدر شبيب الشبيب *

حصلت هذه القصة في جامعة كوبنهاجن بالدنمارك. في امتحان الفيزياء كان أحد الأسئلة كالتالي:

كيف تحدد ارتفاع ناطحة السحاب باستخدام البارومتر؟.

كانت إجابة أحد الطلبة مستفزة لأستاذ الفيزياء لدرجة أنه أعطاه صفرًا دون إتمام التصحيح. كانت إجابته: أن أربط البارومتر بخيط ثم أنزله من أعلى الناطحة حتى يمس الأرض ثم أقيس طول الخيط.

قدم الطالب تظلمًا لإدارة الجامعة مؤكدًا أن إجابته صحيحة مائة في المائة. وحسب قانون الجامعة عُيِّن خبير للبت في القضية، وأفاد تقرير الخبير أن إجابة الطالب صحيحة لكنها لا تدل على معرفته بمادة الفيزياء، وقرر إعطاء الطالب فرصة أخرى وإعادة الامتحان شفهيا وطرح عليه الحكم نفس السؤال. فكر الطالب قليلا ثم قال: لدي إجابات كثيرة لقياس ارتفاع الناطحة ولا أدري أيها اختار، فقال له الحكم: هات كل ما عندك، فأجاب الطالب: يمكن إلقاء البارومتر من أعلى الناطحة ويقاس الوقت الذي يستغرقه حتى يصل إلى الأرض وبالتالي يمكن معرفة ارتفاع الناطحة. إذا كانت الشمس مشرقة يمكن قياس طول ظل البارومتر وطول ظل الناطحة فنعرف طول الناطحة من قانون التناسب بين الطولين وبين الظلين.

إذا أردنا أسرع الحلول فإن أفضل طريقة هي أن نقدم البارومتر هدية لحارس الناطحة على أن يعلمنا بطولها. أما إذا أردنا تعقيد الأمور فسنحسب ارتفاع الناطحة بواسطة الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وأعلى الناطحة باستخدام البارومتر. كان الحكم ينتظر الإجابة الأخيرة التي تدل على فهم الطالب لمادة الفيزياء، بينما الطالب يعتبرها الإجابة الأسوأ نظرًا لصعوبتها وتعقيدها.

بقي أن تعرف أن اسم الطالب هو «نيلز هنريك بور Niels Henrik David Bohr» وهو لم ينجح فقط في مادة الفيزياء بل أنه حاز على جائزة نوبل للفيزياء عام 1922.

لو كان «نيلز بور» في إحدى مدارسنا، لتلقى صفعة من أستاذه، وربما من ولي أمره، وفي أحسن الأحوال سيسخر منه زملاؤه، حتى البليدين منهم، أو «الضياطرة» بتعبير الإمام علي .

قال ابن الأثير الجزري في كتابه «النهاية في غريب الحديث والأثر»: وفي حديث علي: « من يعذرني من هؤلاء الضياطرة يتخلف أحدهم يتقلب على حشاياه ». الضياطرة: هم الضخام الذين لا غناء عندهم. الواحد: ضيطار، والياء زائدة.

مشكلة «نيلز بور» أنه تمرد على الصندوق الذي يريد أستاذه حبسه فيه، فخرج كالمارد من قمقمه مفاجئا الآخرين بإجابات غير مألوفة. ولأنها غير مألوفة، فإنهم رفضوها دون تمعن أو فحص أو تدقيق.

التفكير خارج الصندوق هو ضرورة حياتية في المجتمعات المتقدمة، وليس أمرا ترفيا. والمقصود به الخروج على نسق التفكير السائد، ومحاولة ابتكار حلول أو رؤى إبداعية أخرى. نحن كثيرا ما نكون أسرى منظومة مفاهيمية معينة أو ما يسميه المفكر الأمريكي توماس كون بالبارادايم Paradigm، وهي مجموعة الأفكار والتصورات والمعتقدات التي تشكل وعينا للحياة حولنا، وتجعلنا نفسر العالم ونرى الأشياء والأحداث والأفكار والأشخاص والمواقف من خلالها. البارادايم قد يكون صندوقا مغلقا يحد من خيالنا وقدراتنا الإبداعية.

في مجتمعنا بين البقالة والبقالة بقالة، وبين الحلاق والحلاق حلاق، وبين البوفية والبوفية بوفية.

مشروعاتنا نسخ مكررة، يغيب عنها الإبداع إلا ما ندر، لأن الإبداع يحتاج إلى التفكير خارج الصندوق، وهو أمر لم نتعود عليه بعد. ولا يقتصر هذا الأمر على المشاريع الاستثمارية التجارية، بل تصل النوبة إلى المؤسسات الاجتماعية المنعشة، حيث التكرار سيد الموقف.

إذا أردنا لمجتمعنا أن ينتعش حقا، فإن من المهم أن نمارس التفكير خارج الصندوق لإنشاء مؤسسات اجتماعية حديثة تلبي الحاجات المستجدة فيه، وهي كثيرة جدا، سنأتي على أمثلة منها في المقال القادم.

يقول نيلز بور: الصعوبة العويصة تحمل حلها في طياتها، فهي تجبرنا على تغيير تفكيرنا لكي نجد هذا الحل.