آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:57 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 14

بدر شبيب الشبيب *

سمعت عن انشتاين؟ لا بد أنك سمعت عن انشتاين، الرجل الذي اخترع، أو ربما اكتشف، نظرية النسبية، بالاشتراك معي. نصف النظرية منه، ونصفها مني.

النصف الأول هو المعادلة المشهورة e=mC^2، المعادلة التي لا يفهمها أحد، وهذا النصف منه. أما النصف الثاني فقد اكتشفته أنا، ووضعت عنه المعادلة المشهورة: و/ع = و/ح × 1000. لا بد من تبسيطها لكي تتمكن من استيعابها، يا حكيم. «و» معناها الوقت، و«ح» معناها الحبيب، و معناها العدو. الدقيقة التي تمضيها مع حبيبك تمر بسرعة 1/1000 من الدقيقة التي تمضيها مع عدوك. ولهذا فأنا لا أهتم بالوقت التقليدي على الإطلاق.

كان هذا حديث «البروفيسور» مع طبيبه الدكتور سمير ثابت. البروفيسور هو الشخصية الرئيسية في رواية الأديب الراحل غازي القصيبي «العصفورية». والعصفورية مستشفى للأمراض النفسية كان سابقا في لبنان.

يبدو لي أن كثيرا من الأمراض النفسية هي بسبب الصناديق الكثيرة المقفلة التي تشكل سجونا للفرد تمنعه من التفكير خارجها، وفي ضوء ذلك يمكننا أن نفسر حديث البروفيسور بأنه خروج عفوي على النص، أو تفكير انشطاري خارج الصندوق، قد يسميه البعض جنونا، لكنه لا يعدو كونه خيالا مكبوتا.

لا أقول إننا نحتاج أن نكون مثل البروفيسور في العصفورية، رغم أن العالم العربي أصبح عصفورية كبيرة، لكننا نحتاج للتفكير الحر خارج صناديقنا المعتادة كي نقيم مؤسسات اجتماعية منعشة جديدة.

عندما قرأت ما كتبه السيد حسن العوامي حول الأوقاف في منطقة القطيف سابقا، تعجبت من تفكير أجدادنا خارج الصندوق، حيث كانوا يتلمسون الحاجات الاجتماعية في كل مجال ويحاولون سدها من خلال إيجاد وقفية لها. يقول السيد العوامي: «ويثير انتباه المرء حينما يعلم أن بعض الوقف في القطيف شمل حصصه إلى جهات لا يلتفت لها إلا ذو عمق من الإيمان وحس من الشعور بالوطنية والغيرة كبيرين. فليس جانباً من جوانب الخير المعروف والتقرب به إلى الله تعالى إلا وتجد له وقفاً. »

ومن الأوقاف التي فكر بها أجدادنا وأقاموها بالفعل يذكر السيد العوامي وقفا يصرف على المحبوسين - السجناء - ووقفا على تركيز وبناء العلامات على طول طريق البحر من القطيف إلى جزيرة تاروت كي لا يضل الساري. ووقفا يصرف على قلع إزالة الحجارة البارزة في الطرق لئلا يعثر بها المسنون والمكفوفون أو من لا يلتفت إليها، وتسمى باللغة الدارجة عندنا بـ «العناصيص. جمع عنصوص وهي الحجرة الصغيرة الناتئة في عرض الطريق وقد كانت كثيرة جداً في كل الطرق».، ووقفا لطلبة العلم الديني. طبعا هذا بالإضافة إلى الأوقاف التقليدية الأخرى للمساجد والحسينيات وغيرها.

وإذا كان تفكير أجدادنا بهذه السعة، فإن هذا مما ينعش آمالنا في إيجاد مؤسسات منعشة تغطي حاجات مجتمعنا في عصره الراهن. ومن تلك المؤسسات مثلا:

مؤسسة تختص بالمساجين وأحوالهم وأسرهم. ولا يختص الأمر بمعتقلي الرأي، ولكن ينبغي أن يمتد ليشمل السجناء العاديين، والذين يتعرضون للنسيان في الغالب، ولا يهتم بهم وبأسرهم أحد، مما يجعل إعادة تأهيلهم أمرا معقدا، كما قد يجعل الأسرة عرضة للتشتت والأزمات.

مؤسسة تهتم بظاهرة العنف الأسري الذي انتشر بشكل كبير في مجتمعنا، وتحاول توثيق الحالات ودراستها وإيجاد الحلول الناجعة، وعقد الدورات التدريبية لتوعية المجتمع.

مؤسسة لمكافحة المخدرات، تتوفر لديها إحصائيات دقيقة عن حجم المشكلة، وتقوم بتوعية الناس وبالذات الناشئة حولها، والمساهمة في علاج المدمنين من الجنسين.

مؤسسة لرصد الممارسات التمييزية في أي قطاع وبأي شكل، وتوثيق الحالات ومتابعتها مع الجهات المختصة.

مؤسسة لرصد الطاقات الإبداعية وتشجيعها وتوجيهها ومساندتها.

مؤسسة تهتم بالمساجد وشؤونها وكيفية تنمية دورها الريادي.

مؤسسة للدراسات والأبحاث الاجتماعية. وهذه من المؤسسات الهامة جدا، حيث تعوزنا في كثير من الأحيان الحقائق والأرقام عن المجتمع الذي نعيش فيه.

هذه مجرد نماذج لمؤسسات يمكنها أن تنعش المجتمع، ويمكن الاسترسال في القائمة إلى أكثر من 100 مؤسسة، إذ نحتاج إلى أن تكون لنا مؤسسة أو أكثر في كل مجال من المجالات كالصحة والتعليم والتوظيف وللطفل وللمرأة وللشباب وللمسنين وهكذا.