آخر تحديث: 15 / 9 / 2019م - 2:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

«يوم بيوم»

سلمى بوخمسين صحيفة الرأي السعودي

قبل أيام اشترت صغيرتاي لوحةً تركيبيةً من ألف قطعة، وجلستا لتركيبها بكل حماس، في وقتٍ قصير استطاعتا تركيب حدود اللوحة، وبعدها أمضيتا وقتًا طويلًا دون تقدم، إحداهما تقلب ما تبقى من الحبات الألف بأصابعها والأخرى جمعت كل القطع السوداء الخالية من المعالم - والتي أظن أنها تشكل البقعة الأصعب من اللوحة - وراحت تتأملها دون أن تركب شيئًا.

اقتربت واستأذنت كي أشاركهما اللعب، ومباشرةً بحثت عن القطع الملونة المميزة، وفي دقائق تمكنت من تركيب وجوه الحيوانات وفازات الزهور، وكل التفاصيل الجميلة، بينما لم تراوح الصغيرتان مكانهما، سألت ما المشكلة؟ فقالت الأولى: إن عددها كبيرٌ جدًا لا أعرف من أين أبدأ، أما الثانية فقالت: هذه القطع السوداء تبدو مستحيلة لا أستطيع التغلب عليها.

وكلاعبةٍ مخضرمةٍ أجبت: خطأ وخطأ، ليس عليكِ أن تفكري باللوحة كلها بل كل قطعةٍ على حدة، أما أنتِ فدائمًا دائمًا ابدئي بالأسهل.

في الحقيقة، إن هذه النصيحة لا تختص بأحجيات التركيب فقط، بل قد تساعدنا على اجتياز أغلب تحديات الحياة، الأيام الصعبة، مراحل العلاج الطويلة، الاستعداد لامتحان ما، احتمال الألم، التكيف مع الفقد والكثير الكثير.

لا تفكر مثلًا أن لديك عملية جراحية ثم جلسات علاج كيميائي تليها جلسات علاج إشعاعي وبعدها عامان كاملان من العقاقير بمختلف الأشكال والجرعات، فذلك محبط وأثقل من أن تحمله، فكر فقط بتجاوز الجراحة الآن، فأنت حتمًا تملك القوة الكافية لذلك، القوة الكافية لتنجو من مرحلة العلاج الأولى، القوة الكافية لاستيعاب الفصل الأول من المنهج، القوة الكافية لتقف على قدميك يومًا كاملًا بعد أن تغيرَ برحيل من تحب طعم الحياة.

وكما أعانك التفكيك على التجاوز ستعينك المناورة أيضًا، لا تتجمد وتصب جام أفكارك في المعضلة، بل تناولها من أطرافها، قم بما تستطيع أولًا وابدأ بالأسهل والأهم أن تكمل حياتك أثناء ذلك، تستمتع بالمتاح وتمتن للمنح والعطايا، وتذكر دائمًا أن الحياة أحجية كبيرة ستبرع في حلها حين تتبع قوانين اللعبة.