آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:36 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 15

بدر شبيب الشبيب *

ذكروا أن أبا جعفر المنصور كان يحفظ الشعر من مرة واحدة، وله مملوك يحفظه من مرتين، وجارية تحفظه من ثلاث مرات. «لا أدري كيف اجتمع هؤلاء الثلاثة وبهذا الترتيب بالحفظ، والخليفة أحفظهم طبعا، وهل يفوز بالمركز الأول إلا الخليفة؟»

تقول القصة وهي من نوع «ودي أصدق، بس قوية»: فكان إذا جاء شاعر بقصيدة يمدحه بها، حفظها ولو كانت ألف بيت، ثم يقول له: إن القصيدة ليست لك، وهاك اسمعها مني، ثم ينشدها كاملة، ثم يردف: وهذا المملوك يحفظها أيضاً - وقد سمعها المملوك مرتين، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة - فينشدها، ثم يقول الخليفة: وهذه الجارية تحفظها كذلك - وقد سمعتها الجارية ثلاث مرات - فتنشدها، فيخرج الشاعر مكذباً متهماً.

قال الراوي: وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه، فعرف حيلة الخليفة، فعمد إلى نظم أبيات صعبة، ثم دخل على الخليفة وقد غيّر هيئته في صفة أعرابي غريب ملثّم لم يبِنْ منه سوى عينيه «لا أدري أيضا كيف لم يستطع الخليفة الذكي أن يميز شكل صاحبه أو صوته. ما علينا»، فأنشده:

صــوت صفير البلبلِ.. هيّج قلب الثمــلِ
الماء والزهـــر معاً.. مع زهر لحظ المقلِ
وأنت يا سيـــدَدَلي.. وسيدَدِي ومولَلَي

قال الراوي: إن الخليفة والمملوك والجارية لم يحفظوها، فقال الخليفة للأصمعي: يا أخا العرب، هات ما كتبتها فيه نعطك وزنه ذهباً، فأخرج قطعة رخام وقال: إني لم أجد ورقاً أكتبها فيه، فكتبتها على هذا العمود من الرخام، فلم يسع الخليفة إلا أن أعطاه وزنه ذهباً، فنفد ما في خزانته. «يعني في الأخير الميزانية طارت، والسبب صوت صفير البلبل».

في هذه القصيدة خرج الأصمعي المنسوبة القصيدة إليه، وخرج الراوي من الصندوق، ولكنهما وقعا في صندوق آخر. أما نحن المتلقين الذين فرحنا بهذه القصيدة لإيقاعها الغريب فقط، فقد وقعنا في حبائلها وأصبحنا نرددها ونتناقلها وكأنها مفخرة المفاخر، وهي لو ترجمت - إن أمكن ترجمتها - سوف لن تكون ذات قيمة. ومع ذلك بقينا في صندوقها مرتاحين في غاية الانشراح. إنها جاذبية الشكل لا المضمون.

تأمل هذين البيتين خارج الصندوق، وستتأكد بنفسك من صحة ما أدعيه:

والناس ترَجُمجُمُلي... في السوق بالقَلقَللِ
والكل كَععكَع كعكعٌ.. خلفي ومن حولَلَلِي

قد تسأل: وما علاقة هذا بالمؤسسات المنعشة. أقول: هذه القصيدة قد تسبب حالة إنعاش مؤقتة عند قارئها أو متلقيها، لغرابتها شكلا، ولأنها تشكل تمردا على شيء من صناديق القصائد التي تعودناها.

كذلك بعض المؤسسات الاجتماعية قد تسبب الإنعاش المؤقت بسبب تغييرات شكلية تجريها، أو بسبب أنها جديدة فقط، وكما يقول الشاعر:

لكل جديد لذة غير أنني... وجدت جديد الموت غير لذيذِ.

ما ينبغي أن نعمل له هو أولا تحديث المؤسسات القائمة تحديثا جوهريا يعالج أسباب خمولها ويحولها إلى منعشة، وثانيا تأسيس مؤسسات جديدة تولد إنعاشا غير معهود من قبل.

في الولايات المتحدة الأمريكية هناك تصنيفات لأنشطة المنظمات غير الربحية، يمكن أن نستفيد منها في اكتشاف آفاق جديدة للعمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المنعشة. على سبيل المثال نذكر التالي:

- جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات المدنية.
- جماعات الدفاع عن حقوق الحيوان
- منظمات الحفاظ على الأراضي والبيئة
- منظمات الإغاثة
- منظمات للاجئين
- منظمات المساعدة الطبية
- جماعات التعليم والبحث والحفاظ على الثقافة
- جماعات الصحة
- جماعات المساندة لذوي الأمراض المزمنة والصعبة
- منظمات لمرض السرطان للدعم والأبحاث
- جماعات دعم الإعاقات الجسدية والمعرفية
- منظمات لمكافحة الفقر والحرمان
- جماعات للمتقاعدين وكبار السن
- جماعات للأطفال
- منظمات للشباب
- منظمات نسائية
- منظمات لدعم الجيش والمحاربين
- جماعات لمساندة رجال المطافئ والشرطة
- جماعات الرقابة Watchdog Groups

هذه المجموعات والمنظمات كلها تعمل بجانب الجهاز الحكومي، تسانده وتصحح الخلل في أدائه، فهي ليست ندا له، ولكنها تتكامل معه من أجل صالح المجتمع والمواطن. إن أحد أسرار الحكومات القوية في الغرب هو وجود أمثال هذه المؤسسات القوية خارج جهاز السلطة، والتي يُنظر إليها بكل تقدير واحترام، وليس بعين الشك والريبة.