آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 5:29 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 16

بدر شبيب الشبيب *

الشعب المصري شعب ودود خفيف الظل. أول ما تطأ قدمك أرض مصر تنعشك عبارة «نوَّرت مصر يا بيه»، فتفرح وتطير، كما طار قبلك «قحطة» في «درب الزلق» بسبب هذه الكلمة من «الست نبوية». يحدث هذا رغم علمك أنها كلمة قيلت وتقال لكل من دخل مصر آمنا، ولكنها تظل منعشة على أي حال. يبدو أنه سر فرعوني أيضا من جملة أسرار الفراعنة أو المؤسسين الأوائل.

يعجبني في الشعب المصري بشكل عام تعلقه الشديد بوطنه، فالمصري عندما ينطق كلمة «مصر» يكاد يشرق بها. تشعر أنه لا يشبع من نطقها بامتلاء، حتى لو انتهى للتو من تناول الفول المدمس والفطير المشلتت. وهي ظاهرة تستحق الدراسة كما يستحق الشعب المصري نفسه نظاما ديمقراطيا حقيقيا يستثمر طاقاته وثرواته، ويعيده فاعلا حاضرا بقوة في خدمة قضايا الأمة، وصدرا واسعا يتسع للجميع، ونموذجا منعشا يحتذى في الحرية والعدالة والكرامة والتعايش في عالمنا العربي والإسلامي. وليس كما يريده البعض وطنا مفصلا وفق مزاجه الخاص.

وقد بلغ من حب المصريين لوطنهم أنهم ابتكروا ألقابا منعشة وأسبغوها على شخصيات منهم، وليس كما تفعل بعض المجتمعات من وأد لكفاءاتها، وعدم تقدير للمبدعين منها. المصريون جعلوا عميد الأدب العربي منهم، وأمير الشعراء منهم، وسيدة الشاشة منهم، وسيدة الغناء منهم. بالمصري «كوَّشوا على كل حاجة»، وبالفصيح: ما ترك الأول للآخرِ؟ أو بتعبير عنترة: هل غادر الشعراء من متردم؟ مسكين عنترة هذا الذي عانى من التمييز العرقي قبل مارتن لوثر كينج بمئات السنين، وكان لديه حلم أيضا قبله، غير أن كينج حقق حلمه، وعنترة ما زال يردد بلسان المواطن العربي المهمش:

يُنادونني في السلم: يا ابْن زبيبةٍ.... وعند صِدامِ الخيل: يا ابْنِ الأطايبِ!

أعود للمصريين والألقاب المنعشة، حيث لم يكتفوا بالاستحواذ على الألقاب في المحيط العربي، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فقالوا: «مصر أم الدنيا». هم لا يستشيرون أحدا في التسميات، ولا يحتاجون إلى لجان تحكيمية لإضفاء لقب على أحد. يكفي أنهم يشعرون بذلك، فيمنحونه لمن يشاؤون. إنه سخاء تحفيزي بالفطرة، تفتقر إليه الكثير من مجتمعاتنا التي تكبت حتى مشاعرها الإيجابية تجاه الأقربين، فضلا عن الأبعدين، فلا تبوح بها إلا بالقَطَّارة كما يقولون. وقد لا يكتفي بعضها بذلك، بل يحاول أن يذهب بعيدا في قتل العبارات والجمل والألقاب المنعشة حتى لا تصل لمن يستحقها.

قررت اليوم أن أسبق المصريين في شيء قبل أن ينتبهوا له، مستثمرا فترة انشغالهم بنتائج الاستفتاء على الدستور الأول بعد ثورة يناير 2011، الدستور الذي كثر حوله اللغط والجدل، والذي لم يتم طبخه على نار هادئة، وجاء الاستفتاء عليه سريعا وبطريقة لا تتماشى مع وضع الدساتير وإقرارها حسب المعايير العالمية. إذ تحتاج الدساتير في صياغتها للتوافق بين مختلف مكونات الوطن قبل عرضها للاستفتاء العام.

المهم أنني انتهزت الفرصة لأطلق لقب «أم المؤسسات المنعشة» على ما أعتبره أهم مؤسسة اجتماعية على الإطلاق، وأعني بها: مؤسسة الأسرة. والتي ستكون محور حديثي القادم بإذن الله.