آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 6:57 م

مجتمع المؤسسات المنعشة 17

بدر شبيب الشبيب *

هل سمعتم بشجرة البامبو الصينية Bamboo أو الخيزران؟ هي إحدى أنواع نبات الدرسينا، والخيزران - كما هو معروف - يستعمل في صنع أجمل وأبسط قطع الأثاث المنزلي الذي يتميز بأنه قوي وخفيف الوزن ويسهل تنظيفه.

ربما يترك بعض القراء المقال بعد قراءة هذين السطرين المكونين من 33 كلمة فقط، لأنه لا طاقة له بالدخول في علم النبات الذي توترت العلاقة معه حتى وصلت حد القطيعة، بسبب المناهج الدراسية التي أرادت إدخال معلوماتها المعقدة ومصطلحاتها اليابسة إلى عقله وهو لا يزال صغيرا في الابتدائية. كان مطلوبا منه أن يحفظ عن ظهر قلب، وليس عن بطن قلب، مصطلحات ومعاني الكأس والتويج والأسدية والمدقات أو الكربلات، التي لا تسمى الزهرة زهرة كاملة بدونها. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل لا بد من ضم مصطلحات أخرى إليها كالتخت والطلع والمتاع، وبقية القائمة. كل هذا من أجل يتعرف على الزهرة الجميلة التي لا تحضر في الصف، ولا في المعمل لأنه لا يوجد معمل أصلا.

هل نتعجب بعد هذا أن يعادي أطفالنا الزهور والأشجار فيستأصلونها أو ينتفون ريشها في الشوارع والحدائق العامة؟

نعود لشجرة البامبو الصينية. وبما أنك وصلت إلى هذا السطر، فأنت «بامبي» بدرجة أو بأخرى، وأهنئك من قلبي على ذلك. تسألني: ما هي شروط الحصول على عضوية النادي ال «بامبي»، أو من هو ال «البامبي»؟ والجواب يكون من خلال التعرف على هذه الشجرة الصينية العجيبة.

شجرة البامبو عندما يزرع الصينيون والصينيات بذورها، ويقومون برعايتها بسقيها يوميا، وتسميدها من فترة لأخرى، وتمر السنة الأولى ولا يظهر منها شيء. وفي السنة الثانية تحتاج لرعاية أكبر من ري وتسميد وانتظار دون نتيجة ملموسة ومرئية. وهكذا حتى تنتهي السنة الرابعة، ولا شيء يظهر منها سوى برعم صغير. في السنة الخامسة، تحدث المعجزة، حيث ترتفع هذه الشجرة خلال موسم واحد إلى 80 قدما. فماذا كانت تفعل خلال السنوات الأربع الأولى؟ ببساطة، كانت تنمو تحت الأرض، وتُعِد البنية التحتية اللازمة لحمل الشجرة فيما بعد.

السؤال: هل يمكنك أن تفعل ما يفعله الصينيون مع بذرة البامبو في حياتك بشكل عام، وفي الحياة الأسرية بشكل خاص؟ إذا كان جوابك نعم، فأنت «بامبي» وأنتِ «بامبية». وال «بامبية» يمكن أن نتفق عليها كمصطلح يشير إلى حالة متكاملة من الرعاية الفائقة مع الصبر الطويل والرؤية البعيدة المدى.

أظن لو أن شجرة البامبو كانت عندنا لما قامت لها قائمة بسبب مزاجنا الحاد السريع الانفعال الذي يبحث عن النتائج السريعة. فإذا لم نجد شيئا في المدى القصير، تركنا «يوسف» أي البذرة التي غرسناها عند متاعنا وذهبنا نستبق، لنعود بعد ذلك وقد أكله ذئب الغفلة والإهمال.

عند إشارة المرور لا نستطيع الانتظار لدقيقتين أو أقل. نرى البعض يقطع الإشارة الحمراء لا لظرف طارئ، بل لعدم قدرته على ممارسة الصبر، إذ غالبا ما يكون في مشوار اعتيادي جدا أو لا يلوي على شيء. حتى رجال المرور تراهم أحيانا يمارسون نفس السلوك مستخدمين ما لديهم من سلطة طبعا دون أدنى مبرر. وقبل أن تفتح الإشارة بثوان ستأتيك أبواق السيارات من كل صوب طالبة منك التحرك والانطلاق. كذلك الأمر عند انتظار الطبيب أو الحلاق أو الخباز، الكل في عجلة من أمره، ويحاول ما أمكنه التحايل على النظام. ولكل شيء حتى لمشاكلنا المعقدة نريد حلولا سريعة quick fix.

شجرة البامبو لو كانت عندنا لما انتظرنا عليها حتى سنة واحدة، ولقمنا بحفر الأرض لمشاهدة ما يحدث تحتها، ولقضينا بالتالي عليها في مهدها.

في أم المؤسسات المنعشة - وهو اللقب الذي أطلقته على مؤسسة الأسرة، قبل أن يسبقني إليه إخوتنا المصريون، كما ذكرت في المقال السابق - نحتاج أكثر ما نحتاج إلى الحالة البامبية حتى تتحول أسرنا إلى أسر منعشة، ينتعش فيها الزوجان، وتُنعش الأولاد، ليكونوا قادة منعشين في كل مجالات الحياة.

والتفاصيل في الحديث القادم.