آخر تحديث: 17 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

في صناعة التاريخ

محمد أحمد التاروتي *

احداث الأثر الكبير في التاريخ مرتبط بوجود القدرة على التغيير، وامتلاك الاليات والإمكانيات المناسبة، لتحقيق التحولات الكبرى، فالعملية ليست متروكة للقدر او ”الصدفة“، بقدر ما تكمن في التخطيط السليم، والعمل الدؤوب، والجهد المتواصل، خصوصا وان التراخي يخلف تداعيات خطيرة على الصعيد الاجتماعي، فالتوقف في منتصف الطريق او التغافل عن رصد الحركة الدائمة لا يخدم الجميع، الامر الذي يتطلب وجود قيادة قادرة على تحريك الأمور، والسهر في متابعة الاعمال، ”ما ضاع حق وراءه مطالب“، ”رحم الله امرئ عمل عملا فاتقنه“.

صناعة التاريخ تتطلب همة عالية، وقدرة استثنائية على رفض ”المستحيل“، وحرق جميع أنواع الاستسلام، باعتبارها عوامل للبقاء في الأسفل على الدوام، فيما الصعود للقمة يتطلب بعض التعب، والكثير من الجهد الجاد، فضلا عن وجود فريق قادر على ترجمة الأفكار الخلاقة، الى واقع معاش على الأرض، وبالتالي فان التحدي يتطلب إيجاد العناصر القادرة على الانتصار في نهاية المطاف، خصوصا وان الكثير من الاعمال بحاجة الى الإرادة الصلبة، والعمل الصادق لانجازها وفق الطريقة السليمة، مما يتطلب ترك ”الراحة“ قليلا، للوصول الى الهدف المنشود.

الدخول الى بوابة التاريخ ليس سهلا، فهناك الكثير من الاعمال التي تتطلب التحرك الصادق، عبر وضع المنهجية السليمة، والخطوات الدقيقة، تفاديا للدخول في متاهات غير مرغوبة، سواء في بداية الطريق او منتصفه، الامر الذي يستدعي المراجعة المستمرة لكل خطوة قبل الاقدام عليها، بهدف التعرف على التحديات والوقوف على المصاعب، من اجل إيجاد الحلول المناسبة، لاسيما وان العشوائية تخلف الكوارث في الغالب، ف ”العمل على البركة“ لا يجدي نفعا في الغالب، اذ يسهم في إضاعة الطريق، وعدم الاهتداء للجادة الصواب، مما يقود للفشل وإضاعة الوقت، واستنزاف الجهد بدون نتائج ملموسة.

المحرك الأساس لصناعة التاريخ الشخصيات القيادية، فهي القادرة على إدارة الدفة للابحار، في صفحات التاريخ بالطريقة السليمة، فهناك الكثير من القيادات استطاعت ترك بصمات واضحة، في تاريخ الأمم سواء السالفة او المعاصرة، مما جعلها خالدة في صفحات التاريخ، نظرا للاعمال الكبيرة التي أنجزت خلال حقبة زمنية قصيرة، بحيث تركت اثرا بالغا في التاريخ البشري، فهي شخصيات استثنائية بكل المقاييس، سواء على الصعيد السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي او العسكري او الثقافي، فالتاريخ يستوعب جميع الإنجازات البشرية، ويستقبل جميع الشخصيات القادرة، على احداث الفرق في صفحات التاريخ الإنساني.

بالإضافة لذلك فان البيئة الاجتماعية، تلعب دورا أساسيا في تخليد صناع التاريخ، فاذا وجدت تلك الشخصيات المناخ الاجتماعي الخصب، فانها تعمل على الابداع والإنجاز بشكل ملموس، نظرا لوجود أرضية قادرة على استيعاب الأهداف، والتطلعات الكبرى، الامر الذي يفسر الفرق الكبير في تحقيق، بعض الإنجازات الكبرى في مجتمعات، واخفاقها في مجتمعات أخرى، فالاولى قامت باحتضان الأفكار والاعمال، عبر ترجمتها الى ارض الواقع، فيما الثانية ادارت وجهها بشكل كامل، عن الاستفادة من الشخصيات القيادية، مما حرم البشرية من الاستفادة من إمكانيات، تلك الشخصيات القيادية.

التاريخ ليس صفحات تسطر في بطون الكتب، وانما احداث بعضها سارة وأخرى حزينة، فهذه الاحداث مرتبطة بشخصيات، لعبت سواء كان إيجابيا او سلبيا، مما جعل اسماءها تتكرر على السن البشرية، وبالتالي فان صناعة التاريخ تتطلب وجود عناصر، تمتلك الجرأة على مواجهة التيارات الاجتماعية السائدة، من اجل احداث انقلاب حقيقي في التفكير، والسلوك الاجتماعي القائم، بمعنى اخر، فان التاريخ بحاجة الى شخصيات لا ترضى بالعيش على الهامش، وتصر على البقاء في المقدمة، بغض النظر عن النتائج المترتبة، على هذا السلوك غير الاعتيادي.

كاتب صحفي